معناه التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهت به ألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم. )) [1] ، ومن هنا أيضا كان الاستفهام في القرآن في كثير من مواضعه لا يحتاج إلى جواب حقيقي من المخاطب، وهذا ما أشار إليه أبو حيان في تفسيره قائلا: (( وهذا الاستفهام لا يحتاج إلى جواب، وكذا أكثر استفهامات القرآن، لأنها من عالم الشهادة، وإنما استفهامه تعالى تقريع. ) ) [2] .
وكذلك كان الاستفهام في كثير من استعمالاته عند الشعراء لا يحتاج إلى جواب حقيقي؛ إذ هو استعمالٌ مجازيٌ أيضًا، فالشاعر لم يكن يريد أن يستفهم حقيقةً، لأن الاستفهام الحقيقي غرض من أغراض الحياة اليومية ويستعمل في لغة التخاطب اليومي، وإذا ما أراد الإنسان أن يستفهم عن حالة ما فمن المستبعد أن ينظم استفهامه في أبيات شعرية، نعم قد يحصل ذلك لكنه من باب النوادر والفكاهة، ولا يقاس عليه، ولذلك وجدنا أغلب الأبيات لا تتطلب جوابا حقيقيا.
إذا وضعنا هذه الحقيقة نصب أعيننا نتبيَّنُ بشكل واضح خصائصَ استعمال (هل) في الشعر , والقرآن الكريم، فهذا الحرف استعمل هنا على نحو المجاز، والمجاز كما قدمت في النصوص البلاغية يعمل على إعطاء الكلمة قدرةً وقابليةً على أن تحمل لنا معنى أو معاني إضافية فوق معناها الأصلي.
لا يخلو القرآن من مواضع استعملت فيها (هل) بمعناها المركزي، لكنها كانت من باب الحكاية، كما في قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} (الأعراف: من الآية 44) ، فهذه الآية الكريمة تحكي لنا حوارا بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وضمن هذا الحوار يرد استفهام بـ (هل) ، وهذه الاستفهام حقيقي، وقد ورد جوابه معه على لسان أصحاب النار (قالوا نعم) ، لكن حقيقة الحال أنَّ هذه الحادثة لم تقع بعد فهي تقع يوم القيامة بعد أن يقضي الله بين الخلق ويذهب كلُّ إلى مستقره، فحقيقة التعبير مجازي أيضًا، والمعنى المراد منه معنى آخر ليس الإخبار بهذه القصة التي ستجرى في يوم القيامة، بل الخطاب القرآني يريد بها أمرا عبَّر عنه الزمخشريُّ بقوله: (( قالوا لهم ذلك اغتباطًا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وزيادة في غمهم، لتكون حكايته لطفًا لمن سمعها. ) ) [3] ، وقال أبو حيان فيها: (( عبر بالماضي عن المستقبل لتحقّق وقوعه، وهذا النداء فيه تقريع وتوبيخ وتوقيف على مآل الفريقين وزيادة في كرب أهل النار بأن شَرفوا عليهم، وبخلق إدراك أهل النار لذلك النداء في أسماعهم. ) ) [4] ، فهكذا يكون هذا النداء والاستفهام في الآية إذا نظر إليه من وجه فهو استفهام حقيقي وجوابه معه، وإذا نظر إليه من وجه آخر تبيَّن أنَّ المراد به الوجه المجازي لاستعماله، وهو تقريع الكفار والشماتة بما سيؤول إليه حالهم، وفرح المؤمنين والاغتباط بما يصيرون إليه من رحمة الله تعالى التي وعدهم بها.
ومن الاستعمال الحقيق لهذا الحرف في القرآن ما جاء في قوله - عز وجل: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} (آل عمران: من الآية 154) ، ففي هذه الآية حكاية لقول المنافقين وفيه
(1) - الكشاف: 2\ 67 وينظر معه: الأمالي الشجريَّة:1\ 264.
(2) - البحر المحيط: 3\ 80.
(3) - الكشاف: 2\ 80.
(4) - البحر المحيط: 5\ 35 - 67.