استفهام (هل لنا من الأمر من شيء) وهذا الاستفهام كان على وجه الحقيقة منهم، وجاءهم الجواب بالنفي وإقرار أن الأمر كله لله تعالى يحكِّم ما يشاء [1] .
إن الاستعمال المجازي لـ (هل) في الشعر أو القرآن الكريم لابدَّ أنه يخرج به إلى أغراض متعددة، وهذه الأغراض تعتمد بشكل كبير جدا على السياق التي ترد فيه، والسياق هو الذي سيمنح الحرف داخله دلالات خاصة، ومعاني إضافية لا يتمكن من تأديتها خارجه، وقد استعمل هذا الحرف (هل) الذي معناه العام الاستفهام التصديقي الموجب لإفادة معان مختلفة وذلك عن طريق الاستعمال المجازي للاستفهام، إن الاستعمال المجازي للحرف هو من إفرازات السياق العام للنص الذي يرد فيه ذلك الحرف. استطعت أن أحدد من خلال ما نقلته المصادر عن استعمالات (هل) ومراجعتي المطولة للآيات والأبيات الشعرية عددا من المعاني المجازية التي أفادها هذا الحرف هي:
المعنى الأول: التحقيق
ذكرت بعض المصادر أن (هل) تأتي بمعنى (قد) ، فجعلت هذا المعنى قسيما لاستعمالها الأصلي التي وضعت له [2] ، وأشهر ما استشهد به لهذا المعنى قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} (الإنسان:1) ، أي: (قد أتى) ، ونقل ابن هشام [3] عن الزمخشريّ زعمه أن (هل) أبدا بمعنى (قد) ، وأنَّ الاستفهام يستفاد من همزة مقدرة معها، وقد تركت هذه الهمزة لكثرة استعمالها فيه، وقد ذُكرت في بعض الشعر وهي داخلة عليها كقول زيد الخير (ت 9 هـ) [4] :
(البسيط)
سائِل فَوارِسَ يَربوعٍ بِشِدَّتِنا ... أَهَل رَأَونا بِسَفح القاعِ ذي الأَكَم
وتقدير المعنى عندهم: (أ هل رأونا ... ؟) ، وقد قال الزمخشريُّ في تفسير هذه الآية ما نصه: (( هل بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة، والأصل:(أهل) ، بدليل قوله: (أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْعِ الْقَاعِ ... ) فالمعنى: أقد أتى؟ على التقرير والتقريب جميعًا، أي: أتى على الإنسان قبل زمان قريب {حين من الدهر لم يكن} فيه {شيئًا مذكورًا} أي كان شيئًا منسيًا غير مذكور نطفة في الأصلاب، ... )) [5] . لا أدري كيف فهم ابن هشام من كلام الزمخشري أنه يزعم أنها أبدا بمعنى (قد) ، في حين نرى الزمخشريَّ يقول: هي بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة، ثم يعقب فالمعنى: أقد أتى على التقرير والتقريب، والذي أفهمه من كلام الزمخشري: أنه يقصد أن (هل) داخل سياق الاستفهام أصبح لها معنى (قد) ، وذلك الاستفهام المجازي الذي خرج إلى معنى التقرير والتقريب، هو الذي أضفى على (هل) هذه الزيادة في المعنى، وتجدر الإشارة هنا أنَّ صيغة (أهل ... ؟) لم تستعمل عند الجاهليين كلهم، كما تبيَّن من إحصاء أشعارهم؛ ما يجعل من زعم من يرى أن أصلها (أهل) والاستفهام يفهم من همزة مقدرة معها كانت ترافقها دوما زعما نظريا أكثر منه تطبيقيا، وقد يكون زيد الخير أول من يردنا عنه هذا الاستعمال ويحتمل أنه أعاد حرف الاستفهام من باب التوكيد.
(1) - ظ: مفاتيح الغيب: 9\ 395 - 397.
(2) - ظ: الكتاب:1\ 100، مجاز القرآن:2\ 279، تأويل مشكل القرآن:410، المقتضب:1\ 43، 3\ 289، الخصائص:2\ 462، حروف المعاني:2، معاني الحروف:102، الكشاف:4\ 665، البيان في غريب إعراب القرآن:2\ 480، التبيان في إعراب القرآن: 2\ 275، البحر المحيط:8\ 393، رصف المباني:406 - 407، الجنى الداني:340 - 341، مغني اللبيب:459 - 460، همع الهوامع:2\ 77، 78، في النحو العربي نقد وتوجيه:269، دراسات لأسلوب القرآن الكريم: 3\ 494.
(3) - ظ: مغني اللبيب: 460، في النحو العربي نقد وتوجيه:269.
(4) - ديوان زيد الخيل:100، وينظر معه: اللمع في العربية:360، الجنى الداني:340، مغني اللبيب:460.
(5) - الكشاف: 4\ 194، وينظر معه شرح الرضي على الكافية: 1\ 459، 4\ 113.