ويستمر ابن هشام في ردَّه على الزمخشري الذي يعتقد أنه وجماعة آخرين يرون أن (هل) أبدا بمعنى (قد) ، وليست بنا حاجة إلى تتبع ردَّه عليهم [1] ، ثم يذكر بعد ذلك أنَّ قوما آخرين زعموا أنَّ (هل) لا تأتي بمعنى (قد) أصلا، ويرى أنَّه الصواب، وأنها في الآية هذه الآية: (( للاستفهام التقريري، والمُقرَّرُ به من أنكر البعث، وقد علم أنهم يقولون: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال لهم: فالذي أحدث الناس بعد أن لم يكونوا كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم؟ وهو معنى قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ} (الواقعة:62) ، أي فهلاَّ تتذكرون فتعلمون أنه: من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن، قادرٌ على إعادته بعد عدمه؟ )) [2] ، إن ما يؤول إليه المعنى سواء أخرَّجناه على رأي الزمخشري أم على رأي ابن هشام قريبٌ بعضه من بعض جدا، ولكن السؤال الذي يبقى قائما: هل يسمح سياق ما للاستفهام أن تفيد (هل) فيه معنى (قد) ، أعتقد أنَّ ما أشار إليه الزمخشري له أمثلة أخرى فـ (هل) قد يجرها معنى الاستفهام المجازي إلى أن يخرج بها إلى معنى (قد) على معنى التقرير. وقد استطعت أن أرصد لـ (هل) (9) تسعة استعمالات قرآنية يمكن أن تؤول بهذا المعنى [3] .
لقد أشار كمال محمد بشر إلى أهميَّة علم الأصوات في دراسة اللغة، مبينا إمكانيَّة التفريق بين الجمل الإثباتيَّة والجمل الاستفهاميَّة على أساسٍ صوتيٍّ؛ فالتنغيم أو التلوين الموسيقي جزء لا يمكن تجاهله من بين عناصر الدلالة في الجملة، ويمكن أن يكون فيصلا وحكما في تشخيص الجُمَلِ هل هي إتباتيَّة أو استفهاميَّة حقيقيَّة؟ [4] ، ويرى في قول المفسرين واللغويين في آية الدهر أنها (للاستفهام التقريري) خروجا من الحقيقة إلى المجاز في استعمال (هل) (( وفيصل الأمر في رأينا هو التنغيم والموسيقى. ) ) [5] إنَّ طريقة إلقاء الجملة على المتلقي هي التي تُفهمه هل كان المتحدث يريد الاستفهام الحقيقي أو المجازي (التقرير) ؟ ولقد استثمر القرآن الكريم الجانب الصوتي خير استثمار في إيصال المعنى إلى المتلقي، لكن قد يتعيَّن على المفسِّر للقرآن الكريم الاستعانة بالقرائن المتعددة لتحديد هذا المعنى دون ذاك. وبالجملة فإنَّ التنغيم الذي له أثره الكبير في تحديد بعض المعاني في الكلام ما هو إلاَّ جزء السياق وبعض ملابسات الكلام، وبذا يكون هذا الفهم متفقا مع ما افترضه الفصل من كون السياق قوَّة مؤثرة في تكوين المعاني الهامشية للحروف.
ومن أمثلة هذا الاستعمال قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} (يوسف:89) ، قال ابن الجوزيُّ: (( إن(هل) بمعنى (قد) ذكره بعض أهل التفسير. )) [6] ، ومنها أيضًا قوله - عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} (طه:9) ، قال الرازي: (( قوله: {وهل أتاك} وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الجواب في قلبه، وهذه الصيغة أبلغ في ذلك، كما يقول المرء لصاحبه هل بلغك خبر كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ما يرمى إليه، ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قبل النبي عليه السلام لا من قبل الله تعالى. ) ) [7] ، وقيل: (( وهل أتاك حديث موسى هذا
(1) - ظ: مغني اللبيب: 460 - 461.
(2) - ظ: المصدر نفسه: 461.
(3) - يمكن مراجعتها في الفصل الثالث: 214.
(4) - ظ: علم اللغة العام (الأصوات) : 189 - 199.
(5) - نفسه: 189.
(6) - زاد المسير:4\ 210، وينظر معه: التبيان:6\ 187، مجمع البيان:5\ 448، الجامع لأحكام القرآن:9\ 255، فتح القدير:3\ 52.
(7) - مفاتيح الغيب: 22\ 15.