فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 295

استفهام تقرير، ومعناه: (قد أتاك) قال ابن الأنباري: وهذا معروف عند اللغويين أن تأتي هل معبرة عن (قد) ، فقد قال رسول الله (وهو أفصح العرب: اللهم هل بلغت؟ يريد: قد بلغت. ) ) [1] ، وهكذا فإن هذا المعنى نستطيع أن نتلمس له شواهد أخرى. هذا من جهة القرآن الكريم.

ومن الشعر يمكن أن نحمل بعض أبيات أصحاب المعلقات على هذا المعنى، منها قول الحارث بن حلزة [2] :

(الخفيف)

هَل عَلِمتُم أَيّامَ يُنتَهَبُ النا ... (مـ) ... سُ غِوارًا لِكُلِّ حَيٍّ عُواءُ

المعنى هنا يمكن أن يكون قد علمتم أيام يُنتَهَبُ الناس في الغارات ويكون لكل حي عواء وصياحٌ، فإن لنا في تلك الأيام شأنا. ومنها أيضا قول عمرو بن كلثوم [3] :

(الطويل)

أَلا هَل أَتى بِنتَ الثُوَيرِ مَغارُنا ... عَلى حَيِّ كَلبٍ وَالضُحى لَم تَرَحَّل

أي قد أتى بنت الثوير أخبار غارتنا على حي كُليب مصبحين [4] .

ثم إن التحقيق قد يكون معه التأكيد فيكون بمعنى (إنَّ) وقد خرج الاستفهام إلى هذا المعنى المجازي فحمَّل (هل) أداء هذا المعنى مع معناها الأصلي، وقد حملوا عليه قوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} (الفجر:5) ، قال الرازي: (( استفهام والمراد منه التأكيد كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟ والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. ) ) [5] وقال الطبري معناه: (( إن في هذا القسم مكتفى لمن عقل عن ربه، مما هو أغلظ منه في الأقسام. ) ) [6] ، إن هذا المعنى الذي فهمه قلَّة من المفسرين لم أجد له نماذج أخرى تصلح أن تحمل على مثله، وقد ضعفه ابن هشام وعدَّه قولا بعيدا، فهو يرى الاستفهام هنا للتقرير [7] . لقد قدمت في بداية الكلام إن المجاز قد يستعصي على قاعدة (صادق أو كاذب) ، ومادام الاستفهام هنا مجازيا فلعلَّ مفسرا يفهم منه وجها لمعنى ما ويرفضه الآخر في حين يفهم الآخر وجها لا يراه الأول، وفهم كل منهم مرتكز على قرائن معينة تظهر له من خلال السياق العام للنص.

المعنى الثاني: النفي

قد يخرج الاستفهام بـ (هل) إلى الإنكار ومن أهم معاني الإنكار النفي، ويمكن إن يقسَّم الإنكار الذي يخرج له الاستفهام في المجاز من حيث (المَنْكُور) على ثلاثة أوجه: إنكار على من ادعى وقوع الشيء، نحو قولنا: (أتقول زيد مريض) ، وإنكار على من أوقع الشيء، نحو:

(1) - زاد المسير: 5\ 190، وينظر معه: مجمع البيان: 7\ 12، الجامع لأحكام القرآن: 11\ 171، فتح القدير: 3\ 357.

(2) - ديوان الحارث بن حلزة: 12.

(3) - عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره: 125.

(4) - وهنالك مواضع أخرى يمكن مراجعتها في الفصل الثالث: 214.

(5) - مفاتيح الغيب: 31\ 148.

(6) - جامع البيان 30>217.

(7) - ظ: مغني اللبيب: 462.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت