فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 295

على هذا أغلب النحاة فيما اطلعت عليه [1] ، وإذا كان ابن هشام يخالف في صحة إثبات التوقع لـ (قد) ، فإن معنى التحقيق لم ينفه أحد من العلماء عن هذا الحرف قال الأسترآبادي: (( هذا الحرف إذا دخل على الماضي أو المضارع فلا بد فيه من معنى التحقيق، ثم إنه ينضاف في بعض المواضع إلى هذا المعنى، في الماضي: التقريب من الحال مع التوقع، ... ، ففيه إذن، ثلاثة معان مجتمعة: التحقيق، والتوقع والتقريب، وقد يكون مع التحقيق: التقريب فقط، وتدخل أيضًا على المضارع المجرد من ناصب وجازم وحرف تنفيس، فينضاف إلى التحقيق في الأغلب: التقليل، نحو:(إنَّ الكذوب قد يصدق) ، أيْ، بالحقيقة يصدر منه الصدق، وإن كان قليلا، وقد تستعمل للتحقيق مجردا من معنى التقليل، نحو: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ} (البقرة من الآية:144) ، وتستعمل أيضا للتكثير في موضع التَمدُّح. )) [2] ، كلام الرضي كأنه يجعل من التحقيق المعنى الرئيس لـ (قد) ، لكني لا أميل إلى ذلك كثيرا، فقد يتخلى هذا المعنى عن (قد) في بعض مواضعها التي تدخل فيها على الماضي أو المضارع، ومعنى تخليها عن المعنى في بعض المواضع أنه ليس معنى مركزيا للكلمة.

ذكرت بعض المصادر أن (قد) مع الماضي تكون حرف تحقيق ومع المضارع تأتي كذلك وتأتي لغير ذلك، لكن لم أر مصدرا يشر إلى مقدار استعمال هذا الحرف داخلا على الماضي ومقدار استعماله داخلا على المضارع، وبعد الإحصاءات تبيَّن أن الحرف غالبا ما كان يستعمل مع الفعل الماضي ودخوله على المضارع كان قليلا جدا أو نادرا، فقد بلغت نسبة دخول (قد) على الماضي في استعمالات أصحاب المعلقات (92%) من مجموع استعمالاتهم [3] ، ولقد ازدادت النسبة في الاستعمال القرآني لـ (قد) لتصل إلى (98%) من مجموع الاستعمال العام لهذا الحرف في القرآن الكريم فمن أصل (406) أربعمئة وستة استعمالات قرآنية لـ (قد) كانت في ثمانية منها فقط داخلة على المضارع والبقية كلها كانت تدخل على الفعل الماضي، وأرى أن هذه الكثرة في استعمال الحرف مع الماضي ركَّز معنى التحقيق فيه، وجعله ملازما لمعنى الإخبار الذي أعتقد أنَّه معناه المركزي، ومما يساعد على تركيز هذا المعنى أن هذا الحرف كان كثيرا ما تدخل عليه (لام القسم) ليصبح (لقد) ، وكانت نسبة دخولها عليه (45%) من مجموع استعمالاته القرآنية، أي قرابة نصف استعمالاته كانت تصحبه فيها هذه اللام. والقسم يراد به توكيد مضمون الجملة أي تحقيق وقوعها، وأعتقد أنَّ هذا كان له أثر كبير في ترسيخ معنى التوكيد في هذا الحرف نتيجة لكثرة استعمال الحرف في سياق القسم، وبقي هذا المعنى الهامشي يدور مع (قد) في كثير من استعمالاتها. من هنا أستطيع أن أقول: (قد) حرف معناه المركزي الإخبار، وغالبا ما يكون المخبر عنه محققا أو في حكم المحقق؛ لذا كان التحقيق أشهر معانيه الهامشية، وقد تنضم إلى هذا الحرف معان هامشية أخرى مثل أن يكون المخبر عنه متوقعا أو يكون قليل الوقوع أو كثير الوقوع.

وقد يتزاحم المعنيان الهامشي والمركزي في الجملة الواحدة، ففي قول عمرو بن كلثوم [4] :

(الوافر)

وَرِثنا المَجدَ قَد عَلِمَت مَعَدٌّ ... نُطاعِنُ دونَهُ حَتّى يَبينا

(1) - ظ: حروف المعاني:13، رصف المباني:392، الجنى الداني:273، مغني اللبيب:231، البرهان:4\ 305 - 309، الإتقان:1\ 167.

(2) - شرح الرضي على الكافية: 4\ 444 - 445.

(3) - يمكن مراجعة نسب استعمالا الحرف مفصلا في الفصل الثالث: 192 - 193.

(4) - نشر المستشرق كرنكو شعر عمرو بن كلثوم في مجلة المشرق العدد السابع سنة 1922 م، ولم تعد هذه الطبعة متوافرة بين أيدي الباحثين اليوم، وقد قام مؤخرا أحد الباحثين بإعادة تحقيق ونشر شعر عمرو في مجلة جامعيَّة محكَّمة بعنوان (عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره) وسأعتمد على هذا البحث في تخريج أشعار الشاعر، علما أنَّ عدد أبياته موافق لما موجود في الموسوعة الشعرية الإلكترونية، ينظر عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره: 137، شرح المعلقات السبع: 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت