قد يصعب على الباحث تحديد مقدار سيادة أيٍّ من المعنيين - المركزي والهامشي - على الآخر، فالمعنى الذي يصل إلى المتلقي هو خليط من الإخبار والتحقيق، وقد يكون التحقيق أبرز. ومن أمثلته أيضًا قول زهير [1] :
(البسيط)
أَقولُ لِلقَومِ وَالأَنفاسُ قَد بَلَغَتْ ... دونَ اللَّهَا غَيرَ أَن لَم يَنْقُصِ العَدَدُ
معنى التَّوَقُّع الذي أشار إليه المالقيُّ إشارة سريعة ركَّز عليه الآخرون، إذ عدَّه الرماني هو المعنى الرئيس لهذا الحرف، وقد جعل الرضي قسما قائما من أصناف الحروف (حروف التَّوَقُّع) وفي هذا الصنف حرف واحد هو (قد) [2] ، وكذا جعل المراديُّ وابن هشام هذا المعنى في مقدمة المعاني التي تؤديها (قد) [3] ، وكأنهم يشيرون إلى أنه المعنى الرئيس لها أو ليس أقل من إنه المعنى صاحب المرتبة الأولى.
الدلالة على التَّوَقُّع مع المضارع واضحة في نحو قولهم: (قد يقدم الغائب اليوم) وهذا يعني أن القدوم منتظرٌ متوقعٌ، وأخبر القائل بهذا التَّوَقُّع، وأما التَّوَقُّع مع الماضي فأثبته الكثيرون ونسب للخليل أنه يقال (قد فَعَل) لقوم ينتظرون الخبر، ومنه قول المؤذن: (قد قامت الصلاة) ؛ لأن الجماعة منتظرون لذلك [4] . وأنكر بعضهم التَّوَقُّع مع الماضي؛ لأن التَّوَقُّع انتظار الوقوع، والماضي قد وقع، ورد عليه بأنه كان مُتوقَّعا منتظرا، نحو قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} (المجادلة من الآية:1) ؛ لأنها كانت تتوقع إجابة الله تعالى دعاءها. قال الزمخشريُّ عن (قد) في هذه الآية: (( معناه التَّوَقُّع؛ لأن رسول الله(والمُجَادِلةُ كانا يتوقعان أن يسمع الله مُجَادَلَتها وشكواها ويُنزَلَ في ذلك ما يفرّج عنها. ) ) [5] ، وإذا دققنا النظر في حقيقة التَّوَقُّع نجده معنى ثانويا مستفادا من السياق، فإرادة الإخبار لا تزال قائمة في هذا الحرف، فعندما يقول المؤذن: (قد قامت الصلاة) ، يريد إخبار المتلقين بأن وقتها قد حان، أما المتلقون فقسم منهم كان يتوقع ويترقب حلول الوقت، فَجَاءَهُ الخبرُ بأنه قد حلَّ الوقت، وقسم آخر ربَّما كان مشغولا غيرَ ملتفتٍ إلى قربِ حلولِ وقت الصلاة، فيأتيه الإخبار بأن الوقت قد حان، وعليك المبادرة لأداء الصلاة، فالمعنى الذي يريده منشئ النص ليس إبراز معنى التَّوَقُّع بل يريد الإخبار بحلول الوقت.
وكذلك الآية الشريفة تريد ألإخبار بأن الله تعالى معكم يسمع إِخْبَارَ المرأة النبي (عن حالها، ومما يؤيد ما أراه من إن معنى التَّوَقُّع معنى هامشيٍّ أن ابن هشام يرى أنها لا تفيد التَّوَقُّع أصلا إذ يقول:(( والذي يظهر لي قول ثالث، وهو أنها لا تفيد التَّوَقُّع أصلا، أما في المضارع فلأن قولك(يَقدِمُ الغائبُ) يُفيدُ التَّوَقُّع بدون (قد) ، إذ الظاهر من حال المُخْْبِر عن مستقبلٍ أنَّه متوقعٌ لَه، وأما في الماضي فلأنه لو صحَّ إثباتُ التَّوَقُّع لها بمعنى أنها تدخل على ما هو متوقع لصحَّ أن يقال في (لا رجُلَ) بالفتح إن (لا) للاستفهام؛ لأنها لا تدخل إلا جوابا لمن قال: (هل من رجل) ، ونحوه فالذي بعد (لا) مستفهم عنه من جهة شخص آخر، كما أن الماضي بعد قد متوقع كذلك، وعبارة ابن مالك في ذلك حَسَنةٌ، فإنه قال: إنها تدخل على ماضٍ متوقعٍ، ولم يقل إنها تفيد التَّوَقُّع، ولم يتعرض للتوقع في الداخلة على المضارع البتة، وهذا هو الحق. )) [6] . اعتراض ابن هشام فيه وَجَاهَةٌ، وأرى كلام ابن مالك الذي نقله عنه
(1) - شرح ديوان زهير: 281.
(2) - ظ: معاني الحروف: 68، شرح الرضي على الكافية: 4\ 444.
(3) - ظ: الجنى الداني: 270 - 271، مغني اللبيب: 227 - 228.
(4) - ظ: الكتاب: 4\ 223، الجنى الداني: 271، مغني اللبيب: 227 - 228.
(5) - الكشاف: 4\ 69، وينظر معه: مفاتيح الغيب: 29\ 477، البحر المحيط:10\ 118.
(6) - مغني اللبيب: 228.