دقيقا، فقياس ابن هشام (قد) على (لا) يدلل على أن معناها الإخبار، ثم إن هذا الذي يُخْبَرُ عنه قد يكون مُتَوقَّعا وقد لا يكون مُتوقَّعا، فالأمر عائد إلى ملابسات الكلام ودوافعه أو فلنقل عائد إلى السياق، وهذا ما أراه أكثر دقة من القول بأنها تفيد التَّوَقُّع بنفسها؛ إذ هي خارج السياق لا تفيد التَّوَقُّع البتة.
أما معنى التقريب الذي ذكر لها فلا ترد للدلالة عليه إلاَّ مع الماضي، فعند دخولها عليه تقربه من الحال، ولهذا فهي تلزم كثيرا معه إذا ما جاء الماضي حالا نحو قوله تعالى: ... {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (الأنعام من الآية:119) ، وقد جعل الزمخشريُّ التقريب المعنى الرئيس لهذا الحرف، قائلا: (( ومن أصناف الحروف(حرف التقريب) وهو (قد) يقرب الماضي من الحال إذا قلت قد فعل، ومنه قول المؤذن: (قد قامت الصلاة) ولابُدَّ فيه من معنى التوقع )) [1] ، جعله الزمخشريُّ حرف تقريب وألزمه تأدية معنى التوقع أيضًا فقولهم (قد قامت الصلاة) يعني قد حان وقتها في هذا الزمان، ونقل عن آخرين مثل هذا القول أي انها إذا دخلت على الماضي (( أثرت فيه معنيين تقريبه من زمن الحال وجعله خبرا منتظرا. ) ) [2] . إن معنى التقريب يتعلق بدخولها على الماضي، إذن فهو مرتبط بالسياق الذي ترد فيه (قد) وهي خارج ذلك السياق لا تدل على هذا المعنى فإذا وردت مع المضارع لا تدل على التقريب
وقيل إن من معاني (قد) التقليل [3] وأكثر من قال بهذا المعنى وصفه بأنه قليل ... الاستعمال، نحو قولهم: (قد يَصدُقُ الكَذُوبُ) و (قَد يَجُودُ البَخِيلُ) وهذا يدل على تقليل وقوع الفعل من الفاعل، وقد يفيد تقليل متعلق الفعل نحو قوله تعالى: {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} (النور من الآية:64) ، معناه الذي هم عليه أقلُّ ما يعلمه تبارك وتعالى، وعقَّب المراديُّ على هذا المعنى بقوله: (( ونازع بعضهم في إفادة(قد) لمعنى التقليل، فقال: (قد) تدل على توقع الفعل ممن اسند إليه، وتقليل المعنى لم يستفد من (قد) ، بل لو قيل: البخيلُ يَجُودُ، فهم منه التقليل؛ لأن الحكم على من شأنه البخل بالجود إن لم يحمل على صدور ذلك قليلا كان الكلام كاذبا؛ لأن آخره يدفع أوله. )) [4] ، هذا الاعتراض الذي نقله المراديّ دقيقٌ ووجيهٌ، وهو ما أذهب إليه في فرضية المعنى المركزي والمعاني السياقية فطبيعة الكلام وسياقه العام هو الذي أفادنا معنى التقليل أما الحرف (قد) فربما حُمِّلَ بعض معنى التقليل وأداه لكنه أداه ضمن معناه العام الذي هو الإخبار وفي ظله.
ويؤيد هذا أيضًا أن المفسرين قد فهموا من سياق هذه الآية من سورة النور معنى التوكيد قال الزمخشريُّ: (( أدخل {قد} ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد. ) ) [5] فقد فهم هذا المفسر اللغوي معنى معينا من الحرف لكن هذا الفهم لم يكن مبنيا على الحرف فقط بل أعانه عليه بقية عناصر السياق العام لهذا النص.
واستفاد شعراء المعلقات من قدرة هذا الحرف على تأدية معنى التقليل الهامشي في دواوينهم، ومن أمثلته أيضًا قول زهير [6] :
(1) - شرح المفصل: 8\ 147.
(2) - الجنى الداني: 271 - 272.
(3) - ظ: معاني الحروف: 99، رصف المباني: 392، الجنى الداني: 272، مغني اللبيب: 230 - 231.
(4) - الجنى الداني، ونقله عنه ابن هشام في مغني اللبيب: 231.
(5) - الكشاف: 3\ 80، وينظر معه مفاتيح الغيب: 24\ 425.
(6) - شرح ديوان زهير: 314، وينظر معه: ديوان طرفة بن العبد: 102، 103، ديوان طرفة (درية الخطيب) :114.