فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 295

إن التزام البصريين نفي القول بالتناوب بين الحروف دفعهم إلى القول بالتضمين، قال ابن هشام: (( قد يشربون لفظا معنى لفظٍ، فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك تضمينا، وفائدته: أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين. ) ) [1] ، وقال عنه الصبان (ت 1206 هـ) : (( إن التضمين النحوي إشراب كلمة معنى أخرى بحيث تؤدي المعنيين، والتضمين البياني تقدير حال تناسب الحرف. ) ) [2] ، أي يراد به التوسع (( في استعمال لفظ توسعا بجعله مؤديا معنى لفظ آخر مناسب له، فيعطى الأوَّل حكم الثاني في التعدي واللزوم. ) ) [3] ، وللتضمين أنواع مختلفة، فمنه أن يتعدى فعل بحرف يتعدى به فعل آخر؛ لأنه تضمن معنى ذلك الفعل، ومنه إجراء اللازم مجرى المتعدي، ومنه إجراء المتعدي مجرى اللازم [4] . لكن القول بالتضمين كالقول بالتناوب، من حيث أن كلا منهما يخفي خلفه شيئا من عجز المفسِّر أو النحوي عن الوقوع على المعنى الفني المراد بالحرف، أو إدراك أسرار الجمال الفني في النص، فيهرب إلى القول بالتضمين أو التناوب، وسنرى في الفصول القادمة أنَّ القول بأحدهما يفقد النص الأدبي جزءا من معناه.

ومثل ما ناقش محمد حسين عوَّاد مسألة التناوب وانتهى بها إلى رأي سديد، فإنه ناقش مسألة التضمين التي قال بها البصريون، وانتهى بها إلى هذا الرأي الذي أُؤيده فيه: (( ويبدو لي أن مسألة التضمين لا أساس لها، لأنه لا دليل عليها، ولا حجة لأصحابها، وأحسب أن ما اندرج تحتها من الشواهد يؤول إلى جهة من جهتين: إما أن تكون هذه الشواهد مقحمة في باب التضمين إقحامًا، وإما أن تندرج تحت مبحث دلالات الألفاظ. ) ) [5] .

ومقتضى ما ساقه من أدلة ومناقشات نفي مسألة التضمين بطلانها، وإن الذي حمل القدماء على هذه المسألة اعتقادهم بالأصالة والفرعية في الألفاظ، والقول بالأصالة والفرعية بالألفاظ يقتضي وقوفهم على تاريخ هذه الألفاظ، والبحث التاريخي في تاريخ الألفاظ العربية لا يسعفنا بشيء يُطمَأن له، ولا ننتهي به إلى حقائق يقينية غالبًا (( وما دام الأمر كذلك تحقق أن الافتراض الذي بنى عليه القدماء القول في التضمين [6] افتراض غير صحيح، وترتب على عدم صحته نقل شواهد التضمين من مجالها التضميني الخاص إلى مجال دلالات الألفاظ العام ... ) ) [7] .

إنَّ جزم بعض العلماء أنَّ الفعل الثلاثي يتعدى بحرف واحد أو حرفين أو أنه لازم في جميع أحواله، أو متعدٍ في جميع أحواله، يستوجب دراسة كاملة لكل فعل في جميع النصوص اللغوية التي ورد فيها، لنستطيع بعد ذلك أنْ نرصد استعمالاته وتاريخ تطوره، ومن ثم نشخص الحالة التي استقر عليها في اللغة العربية الفصحى (المشتركة) ، وهذا العمل يستوجب جهودا بحثيةً طويلةً مضنيةً للوصول إلى حقائق معينة ويقينية بشأن تعدي الأفعال ولزومها، وعلاقة الحروف ومعانيها بهذه الأفعال. وما دام الأمر لم يدرس على هذا النحو من الشمول والسعة، فإني أوافق محمد حسين عوَّاد على أن مسألة التضمين لا أساس لها؛ لأنها مبنية على أساس غير متين، وهو القول: إن بعض الألفاظ أصول في معانيها وبعضها فروع، أو أنَّ فعلا ما متعدٍ في كل أحواله، أو لازم في كلها، أو متعد بحرف معين فقط، وهذا أمرٌ لا يمكن تحققه، إلاَّ إذ ثبت ذلك بالدليل القاطع من خلال الإحصاء العلمي الشامل.

خلاصة القول: أن لكل حرف معنى عاما يدور معه، وقد تنجر معه معان أخر تؤول إلى ذلك المعنى بتأويل لطيف سائغ يتماشى مع طبيعة اللغة وروحها، أما القول بنيابة الحروف

(1) - مغني اللبيب: 897.

(2) - حاشية الصبان على الأشموني:3\ 133.

(3) - إسناد الفعل:147.

(4) - للإطلاع على أمثلة التضمين ينظر: تناوب حروف الجر في لغة القرآن:54 وما بعدها، نظرية الحروف العاملة:173 - 180.

(5) - تناوب حروف الجر في لغة القرآن:58.

(6) - هكذا وردت العبارة، والأصح أن يقال: القول بالتضمين. ينظر: لسان العرب: مادة (قول) : 11\ 572.

(7) - تناوب حروف الجر في لغة القرآن:82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت