فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 295

شاهدا من شواهد العربية يشير ظاهره إلى أن حرف الجر وقع موقع غيره أمعن النظر في التركيب ليجد في النهاية أن الحرف باقٍ على بابه وهو المعنى الذي وضع له ابتداءً.

إن الأخذ بمسألة تناوب الحروف يفضي إلى مشكلات لغوية واضطراب في البيان قد يأباه الاستعمال الفصيح، وقد نبه ابن جني (ت 392 هـ) على خطورة الأخذ بهذا القول على سعته وإطلاقه قائلا: (( هذا باب يتلقاه الناس مغسولا ساذجا من الصنعة، وما أبعد الصواب عنه، وأوقفه دونه، وذلك إنهم يقولون إن(إلى) تكون بمعنى (مع) ، ويحتجون لذلك بقول الله سبحانه: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (آل عمران: من الآية 52) ، أي مع الله، ويقولون ... ، ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، ولكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع على حسب الأحوال الداعية إليه والمسوغة له، فأما في كل موضع وعلى كل حال فلا. ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلًا هكذا لا مقيدا لزمك عليه أن تقول: سرت إلى زيد وأنت تريد معه، وأن تقول زيد في الفرس، وأنت تريد عليه ... ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش. )) [1] .

إن الشواهد التي سيقت للدلالة على هذا القول ممكن تأويلها تأويلا سائغا مقبولًا بلا إرهاقٍ أو عنتٍ، وإن طائفة من الشواهد كانت غربية قليلة [2] ، وهنا تتضح فائدة الحفاظ عل المستويات اللغوية المحددة عند الدراسة، واستنباط قواعد اللغة، فالاقتصار على الشواهد الفصحى وترك اللغات القليلة والمحلية أو القديمة وغير المستعملة في هذا المستوى من الكلام كان سيقلل لنا من عدد هذه الشواهد التي استدلوا بها لإثبات هذه المسألة، مثل تلك الشواهد المتعلقة بـ (متى ولعل وكي) حينما تكون حروف جرٍّ، فالمسألة تحتاج إلى نظرة جديدة يعاد فيها فرز الشواهد وانتقاؤها، لتتبين الحقائق.

ثم إن طائفة من المفسرين والبلاغيين كانوا يرون بوضوح أسرارًا في بقاء الحرف على معناه، وإنْ استعمل في سياق قد يوهم غير المتأمل أنه ناب عن حرف آخر في تأدية معناه، لكن هذا غير دقيق، فالنكات البلاغية التي تنبه لها هؤلاء توجب القول ببقاء الحروف على معانيها الأصلية المتعارفة، بذلك يتبين جمال اللغة وإعجاز قرآنها وتفوق لغته، وهذا ما تتبناه هذه الدراسة، وقد ذكر لنا هادي عطية أمثلة من التفاتات هؤلاء المفسرين والبلاغيين تبين النكات البلاغية في العدول عن استعمال حرف إلى آخر [3] . إن هذا العدول كان مقصودا، فهو انزياح في دلالة الحرف رُوعيت فيه مقاصدَ خاصَّة. وقد يعدُّ من الحيف والظلم للغة القرآن الكريم التزامُ القولِ بتناوب الحروف في تأدية المعاني.

إن لرجال البلاغة من النحويين والمفسرين فضلا في تأكيد المخالفة بين معاني الحروف المختلفة، وبيان أسرارها البلاغية والكشف عنها، وكان الدافع وراء تقصيهم لمعاني هذه الحروف بيان أسرار الإعجاز القرآني، واستكشاف النواحي الجمالية في لغته (( فهم وحدهم انفردوا في الإشارة [4] إلى لطائف الحروف، وسر استخدامها وبيان فائدتها، ولا يدرك هذا إلاَّ من أتقن علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما. ) ) [5] .

(1) - الخصائص: 2\ 306.

(2) - ظ تناوب حروف الجر في لغة القرآن:44 - 45.

(3) - ظ: نظرية الحروف العاملة:164 - 172.

(4) - هكذا وردت العبارة والأصوب أن يقال: انفردوا بالإشارة. ينظر: العين مادة (فرد) : 8\ 14، 24.

(5) - نظرية الحروف العاملة:160، وينظر معه: معترك الأقران:1\ 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت