فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 295

وردَّ ابن عصفور كون (إلى) أو (على) بمعنى (في) بأنها لو كانت بمعنى (في) لساغ أن يقال (زيد إلى الكوفة) أو (زيد على الكوفة) أي (في الكوفة) فلما لم تقل العرب ذلك وجب أن يتأول ما أوهم ذلك، ويبدو أنه أخذ ذلك من كلام ابن جني في الخصائص [1] .

قال ابن هشام: (( مذهب البصريين أن أحرف الجر لا يَنُوب بعضها عن بعض بقياس، كما أن أحرف الجزم، وأحرف النصب كذلك، وما أوهم ذلك فهو عندهم إما مؤول تأويلا يقبله اللفظ كما قيل في {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (طه: من الآية 71) . إن (في) ليست بمعنى على، ولكن شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال في الشيء، وإما على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف ... )) [2] .

وحاول ابن هشام أن يضيف قيدا ليحدد به إطلاق التناوب الذي يقول به الكوفيون، قائلا: (( قولهم:(يَنُوبُ بعضُ حروف الجر عن بعضٍ) وهذا أيضًا ما يتداولونه، ويستدلون به. وتصحيحه بإدخال (قد) على قولهم (يَنُوبُ) ، وحينئذٍ فيَتعذرُ استدلالهم به، إذ كل موضع ادعوا فيه ذلك يقال لهم فيه: لا نسلم إن هذا مما وقعت فيه النيابة، ولو صح قولهم لجاز أن يقال: مررت في زيد، ودخلت من عمرو، وكتبت إلى القلم ... )) [3] .

فخلاصة القول أن الكوفيين يقولون بتناوب الحروف في تأدية معانيها، والبصريون لا يرون هذا المذهب صحيحًا، ويجزمون أن للحرف معنى واحد يبقى يدور في أشكال مختلفة ضمن استعمالات الحرف الواحد [4] .

إن مناقشة الأمثلة التي استدل بها الكوفيون على وقوع التناوب سيمر بنا تفصيلا في مواضعه من البحث، وقد ناقشها وأفاض فيها باحثان: محمد حسين عوَّاد في كتابه (تناوب حروف الجر في لغة القرآن- 1982 م) ، وقد انتهى فيه إلى رفض القول بالتناوب، ومنعه في اللغة، وبيَّن مساوئ الأخذ بهذا القول، وهادي عطية مطر الهلالي في كتابه (نظرية الحروف العاملة ومبناها وطبيعة استعمالها القرآني بلاغيًا- 1986 م) ، لكن الأخير لم تكن له جرأة سابقه واستيعابه، بل عرض الآراء وأشار إلى أثر البلاغيين والمفسرين فضلا عن النحاة في نشر قضية التناوب بنقلها في كتبهم ومؤلفاتهم وتخصيص بعضهم فصولا في مؤلفاتهم لعرضها.

أما محمد حسين عوَّاد، فقد أجاد في بحث الموضوع واستيعاب أبعاده، ورصد جوانبه، وقد كان دقيق الملاحظة في مناقشة كثيرٍ من أمثلة الكوفيين التي استدلوا بها على وقوع التناوب مثل مجيء (متى) بمعنى (من) أو (في) ، ومجيء (الكاف) بمعنى (على) أو (الباء) ، ومجيء (عن) بمعنى (الباء) وغيرها [5] ، ولو أردت أن أنقل نماذج من استشهاده لطال المقام بما لا يحتمله. وانتهى إلى القول بطلان (( نيابة بعض حروف الجر عن بعضها بعضًا، وإن الشواهد التي سيقت للدلالة على التعاور راجعة إلى التركيب لا إلى الحرف، ورأينا أن كل حرف يؤدي معنى خاص به لا يؤديه غيره، وقد ينجر مع الحرف معانٍ أخرى تؤول إلى المعنى الكلي الذي يختص به الحرف دون غيره ) ) [6] . وهو بهذا يوافق البصريين ويأخذ بما قالوا، فإن وجد

(1) - ظ: شرح جمل الزجاجي: 1\ 511 - 512، المقرَّب:1\ 218، 260، الخصائص: 2\ 309، بدائع الفوائد: 2\ 21.

(2) - مغني اللبيب: 151.

(3) - نفسه: 861.

(4) - للإطلاع على المزيد من أراء العلماء وأقوالهم ينظر: دراسات لأسلوب القران الكريم:3\ 446 - 459، إسناد الفعل:147 - 149.

(5) - للإطلاع على الأمثلة مفصلة ينظر: تناوب حروف الجر في لغة القرآن:23 - 46.

(6) - نفسه:82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت