فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 295

وقد ذهب الكوفيون ومن تبعهم إلى القول بجواز نيابة الحروف بعضها مكان بعض، وصحَّ تنوع معاني الحرف الواحد، وأن كل معنى من هذه المعاني قسم برأسه، وليس أحدها أصلا وغيره راجع إليه، قال المراديُّ: (( وما تقدم من نيابة الباء عن غيرها من حروف الجر هو جارٍ على مذهب الكوفيين ومن وافقهم، في أن حروف الجر قد يَنُوبُ بعضها عن بعض. ) ) [1] ، وقال أيضًا: (( وأكثر هذه المعاني إنما قال به الكوفيون ومن وافقهم كالقتبي ... ) ) [2] .

وقد ذهب إلى هذا الرأي أيضًا أبو عبيدة (ت 209 هـ) [3] ، وقد أكَّد تعاقب هذه الحروف بقوله: (( ومن مجاز الأدوات اللواتي لهن معان في مواضع شتى فتجيء الأداة منهن في بعض تلك المواضع لبعض تلك. ) ) [4] . وقد يكون لبعض إشارات يونس وسيبويه فضلًا عمَّا صرح به أبو عبيدة مادةً أعانت الأخفش على تبني هذا الرأي في كتابه (معاني القرآن) ، الذي ذكر فيه تعاقب معاني الأدوات، (( وربما أخذ ذلك الفراء من الأخفش، فضمَّن كتابه(معاني القرآن) كثيرًا من تعاقب حروف الجر بعضها مكان بعض. )) [5] .

ولعل في تخصيص ابن قتيبة (ت 276 هـ) الباب الذي أسماه (باب تفسير حروف المعاني وما شاكلها) [6] ، فاتحة الباب للعلماء أن يتناولوا هذه الحروف التي قالوا: إنها تتناوب المعاني فيما بينها. وقد خصص من بعده ابن جني (ت 392 هـ) بابا لذلك أسماه (( باب استعمال الحروف بعضها مكان بعض ) ) [7] ، وذُكِرَ أن مكي ابن أبي طالب (ت 437 هـ) قد كتب في (دخول حروف الجر مكان بعض) [8] ، وقد خصص ابن حزم فصلًا في الحروف وأصنافها [9] ، وفعل مثلهم الثعالبي في كتابه (فقه اللغة وسر العربية) [10] ، وعقد الزركشيُّ بابا كبيرًا في الكلام عن المفردات من الأدوات والبحث عن معانيها مما يحتاج إليه المفسر لاختلاف مدلولها [11] ، وكذلك فعل السيوطي في (الإتقان) و (معترك الأقران) [12] .

وقد أفاد المفسرون مما تناقلته كتب معاني القرآن، ومجازه من تناوب الحروف بعضها مكان بعض، وقد نقل الطبريُّ (ت 310 هـ) والطوسيُّ (ت 460 هـ) والزمخشريُّ (ت 538 هـ) والطبرسيُّ (ت 548 هـ) وأبي حيان الأندلسيّ (ت 745 هـ) والآلوسيُّ (ت 1342 هـ) في تفاسيرهم ما يدلّ على تبنيهم هذا الرأي [13] .

ولا يعني كثرة ما تناقله العلماء عن تناوب حروف الجر أن الأمر مسلمٌ به، أو أن أغلب علماء العربية يقولون بذلك، فالبصريون كانوا يصرون على أن ليس للحرف إلاَّ معنى واحد. وقد تَرِدُ من المعاني له ما يمكن تأويلها وإرجاعها إلى هذا المعنى الواحد، فهذا المعنى أصلٌ، وقد تكون هناك فروع عليه، فـ (( مذهب سيبويه والمحققين من أهل البصرة أن(في) لا تكون إلاَّ للظرفية حقيقة أو مجازا، وما أوهم خلاف ذلك ردَّ بالتأويل إليه. )) [14] .

(1) - الجنى الداني: 46.

(2) - نفسه: 480.

(3) - ظ: مجاز القرآن: 1\ 14، 94، 235، 268، 284، 324، 2\ 23 - 24.

(4) - نفسه: 1\ 14.

(5) - نظرية الحروف العاملة:159.

(6) - تأويل مشكل القرآن: 426،432.

(7) - الخصائص: 2\ 306.

(8) - إنباه الرواة: 3\ 315316، وفيات الأعيان:5\ 376.

(9) - ظ: الأحكام في أصول الأحكام:1\ 51 - 52،85 - 100.

(10) - ظ: فقه اللغة وسر العربية: 362 - 365.

(11) - البرهان في علوم القرآن: 4\ 175 - 446.

(12) - ظ: الإتقان:1\ 145 - 179.

(13) - ظ: نظرية الحروف العاملة: 160.

(14) - الجنى الداني:252، وينظر معها الصفحات:46، 480.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت