فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 295

الأوَّل: أن كل حرف يقوم في تأدية معنى الحرف الأخر بنوبة، فقد تأتي (اللام) مكان (على) ، وقد تأتي (على) مكان (اللام) , فيؤدي (اللام) معنى (على) كاملًا، و (على) تؤدي معنى (اللام) كاملًا غير منقوص.

الآخر: أن يقوم كل حرف في تأدية جزء من الفعل , والحرف الآخر يقوم بتأدية جزء من الفعل، وهكذا تكون الحروف التي تحتمل وقوع التناوب فيها مشتركة كلها في إيقاع الفعل , فعلى هذا يكون (على) يؤدي جزءا من معنى (اللام) ، و (اللام) يؤدي جزءا من معنى (إلى) ، وسنستبين من خلال البحث أي المعنيين أحق بأن يؤخذ به.

وبعد هذا لنا أن نسأل: هل للحرف معنى واحد أو أكثر؟ وهل معانيه - فيما لو كانت له عدة معانٍ - حقيقية أو مجازية؟

للإجابة عن هذهِِ الأسئلة يمكن القول:

إن من العلماء من يرى أن لكل حرف معنىً واحدًا لا يغيب عنه , وقد تكون له معان أخر, قال المراديُّ (ت 741 هـ) : (( التحقيق إن معنى(اللام) في الأصل هو الاختصاص , وهو معنى لا يفارقها , وقد يصحبه معان أخر , وإذا تؤصلت سائر المعاني المذكورة وجدت راجعة إلى الاختصاص لأنك إذا قلت: جئتك للإكرام، دلت اللام على إن مجيئك مختص بالإكرام إذا كان الإكرام سببه دون غيره , فتأمل ذلك. )) [1] ، وقال في مكان آخر بشأن (الباء) : (( رد كثير من المحققين سائر معاني الباء إلى معنى الإلصاق , كما ذكر سيبويه , وجعلوه معنى لا يفارقها , وقد تنجر معه معانٍٍٍ أخر. ) ) [2] ، وقال المالقيُّ (ت 702 هـ) مثل هذا القول [3] , ونقل في معاني (من) : (( قد ذهب المبرد ابن السرَّاج والاخفش الأصغر , وطائفة من الحذاق إلى إنها لا تكون إلا لابتداء الغاية , وان سائر المعاني التي ذكروها راجعة إلى هذا المعنى , ألا ترى إن التبعيض وهو أشهر معانيها، وهو راجع إلى ابتداء الغاية , فأنك إذا قلت: أكلت من الرغيف , إنما أوقعت الأكل على أوَّل أجرائه فأنفصل , فمآل معنى الكلام إلى ابتداء الغاية. ) ) [4] .

ويبدو أن غالبية علماء النحو واللغة كانوا يستشعرون أن أحد المعاني في كل حرف غالبٌ عليه , ويكون معنى رئيسًا في دلالته، حتى أنَّا نجد أنَّ النحاة حينما يذكرون كل حرف يقدمون هذا المعنى الأكثر شيوعًا واستعمالا , وهو الذي قد ترجع إليه بعض المعاني الأخرى عندهم، فيقولون مثلًا: إن الباء تفيد الإلصاق , وعلى تفيد الاستعلاء ومن تفيد الابتداء وعن تفيد المزايلة أو المجاوزة [5] , ومن ثم يضيفون إلى كل واحد من هذه المعاني عدة معان أخر قد تؤول إلى هذا المعنى، وبذلك يكون المعنى المذكور أوَّلا كالأصل الذي ترجع إليه المعاني الأخر.

ويرى قوم آخرون أن الحرف الواحد قد تكون له معان متنوعة ومتعددة , وعدَّ المراديُّ (ت 749 هـ) والمالقيُّ (ت 702 هـ) هذا الرأي هو الصحيح [6] . إنَّ القول بتعدد المعاني هو الذي يحمل على القول بالتناوب , فتارةً يؤدي الحرف معناه الذي وضع له أصلًا - مع المعاني التي تؤول إليه- وتارة أخرى يؤدي المعنى الذي يَنُوبُ في الدلالة عليه مَنَابَ حرف آخر أو حروف.

(1) - الجنى الداني: 109.

(2) - نفسه:36،46.

(3) - ظ: رصف المباني: 143 - 144.

(4) - الجنى الداني: 315 - 316.

(5) - للإطلاع على مزيد من الأمثلة، ينظر: رصف المباني: 100، الجنى الداني: 476،480، مغني اللبيب:137.

(6) - ظ: الجنى الداني: 36، 46، رصف المباني: 143 - 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت