فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 295

للمرادي نفسه أو ينقله عن آخرين؛ إذ لم أعثر على من يصرح به قبله، ولم يأبه له المراديُّ نفسه على ما له من أهمية، وأعتقد أن هذا المعنى حريٌّ أن يكون هو المعنى المركزي لهذا الحرف، وأما دلالته على القلَّة والكثرة فمرجعها إلى السياق حقا.

من المواضع التي أثَّر فيها السياق في المعنى، وأرشدنا إلى المراد من هذا الحرف قولهم: (رُبَّ عالمٍ لقيتُ، و رُبَّ كتاب قرأت) يقولها القائل وهو في حقيقة الأمر قد لقي كثيرا من العلماء، وقرأ كثيرا من الكتب لكنه يقلل إثبات عدد مرات وقوع الفعل منه تواضعا، فالسياق هنا قد مكننا من تحديد المراد من معنى الحرف، وهو غير معنى القلَّة أو الكثرة.

ومن أمثلة المواضع التي يُفهم المعنى فيها من خلال السياق، ويكون له أثر فيه أن الرَّجل يقول لصديقه: (لا تعادِ، فربما ندمت) ، والندامة لو كانت قليلة فحريٌّ بالشخص أن يتجنب موردها، والعداء كثيرا ما يجلب الندامة، فهو من مواردها المعتادة، فصار هنا اللفظ الدال على التقليل أدلَّ وأبلغ من اللفظ الدال على التكثير، وأضحى مناسبا أن نفسر (رُبَّ) هنا بمعنى القليل، وهذا القليل يقتضي أن يُتَجَنَّب.

لم يستعمل هذا الحرف في القرآن الكريم بصورة تمكننا من تدبِّر سياقات قرآنية كثيرة ومنوعة، لتميز حقيقة معناه واستعمالاته؛ إذ استعمل في موضع واحد، قال تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} (الحجر:2) ، وقد فُسِّرَ هذا الموضع بتفسيرٍ مماثل لما تَقدَّمَ، فقيل (( هي للتقليل في هذا الموضع؛ لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها؛ لشَغْلهم بالعذاب. ) ) [1] ، إنَّ كثيرا من المفسرين واللغويين يرون أن (رُبَّ) هنا أفادت التقليل، لكن وصولهم إلى فهم هذا المعنى كان عبر السياق الذي ورد فيه الحرف.

ولم يمنع هذا من أن يفهم ابن هشام عكس هذا المعنى إذ يقول: (( ترد [رُبَّ] للتكثير كثيرا، وللتقليل قليلا، فمن الأول: {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} ، وفي الحديث:(يا رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا عاريةٍ يومَ القيامةِ) [[2] ]، وسمع أعرابي يقول بعد انقضاء رمضان (يا رُبَّ صائمهِ لن يصومَه، ويا رُبَّ قائمهِ لن يقومَه) . ومن الثاني قول أبي طالب في النبي ( [[3] ]:

(الطويل)

وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ ... ثِمالُ اليَتامى عِصمَةٌ لِلأَرامِلِ )) [4]

فهم ابن هشام من الآية والحديث وقول الأعرابي أن (رُبَّ) تفيد التكثير وهو ما تدلُّ عليه في كثير من مواضع استعمالها، وقد يكون يفهم منها معنى التكثير في الآية؛ لأن الكافرين كلما رأوا حالهم وحال المسلمين تمنوا ذلك وتحسروا عليه، وهذا الحال مستمر فعذاب الكافرين لا ينتهي، ونعيم المؤمنين لا ينفد. فعندها يفهم من (رُبَّ) معنى التكثير، في حين تفيد التقليل في مثل قول أبي طالب؛ لأنها يراد بها التخصيص، فهو يعني شخصا واحدا، ومثله قول الأزديِّ المذكور آنفا.

ومرجع خلاف ابن هشام مع بقيَّة العلماء يعود إلى السياق، فهو الذي حدَّد ما يمكن أن يُفهَمَ من الحرف، وهنا نستذكر قول المراديّ: إن (رُبَّ) حرفُ إثباتٍ لم توضع لتقليل ولا

(1) - الجامع لأحكام القرآن: 10\ 1 - 2، وينظر معه: معاني القرآن (الفراء) :2\ 82، معاني القرآن (الأخفش الأوسط) :2\ 378، إعراب القرآن (النحاس) : 2\ 190، مشكل إعراب القرآن:1\ 409، البيان في غريب إعراب القرآن: 2\ 63 - 64.

(2) - ظ: فتح الباري شرح صحيح البخاري: 10\ 256، بحار الأنوار: 67\ 321.

(3) - ديوان أبي طالب: 72.

(4) - مغني اللبيب: 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت