في حين كان الزمخشريُّ يقول: (( هي مركبة من الهمزة و(لا) النافية، مُغَيِّرَةً معناها الأول إلى التنبيه، ولذلك جاز أن تليها (لا) النافية في قوله [وهو عمرو بن كلثوم[1] ]:
(الوافر)
أَلا لا يَجهَلَنَّ أَحَدٌ عَلَينا ... فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا
وصار يليها الاسم والفعل والحرف. )) [2] فالمعنى هنا كما يراه الزمخشريُّ تغيَّر بالتركيب وصار للكلمة المركبة الجديدة معنى خاص هو التنبيه والتحقيق ويؤكد هذا في مكان آخر قائلا: (( {ألا} مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي؛ لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها. والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا كقوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ} (القيامة من الآية:40) ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدَّرةً بنحو ما يُتَلقَّى به القسم. وأختها التي هي «أمَا» من مقدّمات اليمين وطلائعها. )) [3] ووافقه على هذا ابن يعيش في شرحه والأسترآبادي [4] ، وكان البصريون يرون (( أن الحروف إذا ركب بعضها مع بعض تغير حكمها الأول وحدث لها بالتركيب حكم آخر، كما قلنا في لولا بمعنى التحضيض ولوما وألا وما أشبهه ) ) [5] ، فالمعنى هنا ناتج من خلط معنيين لحرفين، وبعد تركيبهما أنتجا معنى جديدا قد يكون أعمق وأغنى، وهو معنى الحرف المركب وليس معناه معنى أحد الحرفين الأصلين، فالحرفان كأنهما صُهِرَا في بوتقة وصُبَّ منهما معنى جديد.
كان ابن مالك يرى أن (ألا) الاستفتاحية حرفٌ بسيطٌ [6] ، ووافقه أبو حيان الأندلسيُّ فقد ردَّ دعوى التركيب قائلا: (( إن(ألا) التنبيهية حرفٌ بسيطٌ؛ لأن دعوى التركيب على خلاف الأصل. )) [7] ويقدم دليلا آخر على اعتقاده ببساطتها وعدم تركيبها هو أنها جاءت قبل (إنَّ) و (رُبَّ) و (ليتَ) و (النداء) ولا يصح النفي قبل أي من هذه [8] ، وأعتقد أنَّ اعتراض أبي حيان يصح على ما طرحه ابن فارس الذي يرى (ألا) حرفين مجتمعين ولكل منهما معناه الخاص، أما على رأي الزمخشريّ والأسترآبادي فلا يصح لأنهما يريان أن (ألا) لا تساوي في خواصها ومعناها (الهمزة + لا) بل هذه حرفٌ جديدٌ مركب من اجتماع حرفيين فتتغير بذلك خواصه، ولا تصح المآخذ التي ذكرها أبو حيان عليه.
يرى ابن هشام أن المُعرِبينَ حينما يقولون عن (ألا) إنها (حرف استفتاح) فإنهم بذلك يُبَيِّنونَ مكانها، ويُهمِلُونَ معناها الذي هو التنبيه على تحقيق ما بعدها [9] ، فالاستفتاح لا يراه ابن هشام معنى بحد ذاته، بل هو إشارةٌ إلى وقوع الحرف في مفتتح الكلام، وكان الإربليُّ يُفصِّل فيها فيرى أنها حرف تنبيه إذا كان الغرض من إدخالها تنبيه المخاطب لئلا يفوته المقصود بغفلته عنه، وتكون حرف استفتاح إذا كان الغرض من إدخالها مجرد تأكيد مضمون الجملة وتحقيقه [10] . وتعليق معنى المفردة على الغرض من إدخالها في الكلام يجرنا إلى تأكيد العوامل أو القرائن الخارجية للنص في معناه العام، وإدراك القرائن الخارجية يتوقف عل تفاعل مشترك بين المنشئ والمتلقي، وكلما كانت أواصر الترابط بينهما متينة استطاع المنشئ إيصال
(1) - عمرو بن كلثوم حياته وما تبقى من شعره: 141، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: 426.
(2) - شرح المفصل: 8\ 115.
(3) - الكشاف: 1\ 179.
(4) - ظ: شرح المفصل: 8\ 113، شرح الرضي على الكافية: 4\ 421.
(5) - الإنصاف في مسائل الخلاف: 1\ 78، 213، وينظر معه: سر صناعة الإعراب: 1\ 306.
(6) - ظ: الجنى الداني: 370.
(7) - البحر المحيط: 1\ 99.
(8) - المصدر نفسه.
(9) - ظ: مغني اللبيب: 96.
(10) - ظ: جواهر الأدب: 199.