فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 295

دفعات كبيرة من المعنى بجهد أقل من خلال مسالك متعددة منها الاعتماد على المعاني الهامشية وما تضيفه من إغناء للمعنى المركزي.

وإذا أردنا أن نجعل قول الإربليّ أكثر قبولا على وفق فرضية المعنى المركزي والمعاني الهامشية أستطيع القول إن المعنى المركزي لـ (ألا) هو التنبيه على تحقيق ما بعدها، أما الاستفتاح فهو لحظ لموقعها من الكلام، ومن يلحظه ولا يغفل عنه فقد جعله معنى هامشيا مضافا إلى المعنى المركزي. ومن يتجاهله فهو يريد معناها المركزي بصورة رئيسة.

الغريب أن بعض المصادر ذكرت أن لـ (ألا) معاني أُخَر وحقيقةُ الأمر أن (ألا) لا علاقة لها بتلك المعاني، فقد قيل إن من معانيها العرض والتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، وأحدهما أشد من الآخر، فالعرض طلبًٌ بلينٍ والتحضيض طلبٌ بحثٍّ [1] ، نحو قوله تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُو ا أَيْمَانَهُمْ} (التوبة من الآية:13) ، وكقوله - عز وجل: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} (النور من الآية:22) ، ووجه الغرابة في الأمر أنهم في الوقت الذي تحدثوا فيه عن كون (ألا) حرفا بسيطا أو مركبا غفل كثير من النحاة هذا الأمر هنا، ففي الآيتين الكريمتين عندنا همزة استفهام استعملت استعمالا مجازيا وكانت داخلة على (لا) ، وليست هذه (ألا) الاستفتاحية، فالاستفهام المجازي هو الذي أفاد معنى التحضيض أو العرض، ومع هذا الخلط فليس غريبا أن نجد النحويين والبلاغيين قد استشهدوا بالآيتين الشريفتين عند تمثيلهم لخروج الاستفهام إلى معان مجازية منها العرض والتحضيض [2] . قال الزمخشريُّ في الآية الأولى: (( {ألا تقاتلون} دخلت الهمزة على {لا تقاتلون} تقريرًا بانتفاء المقاتلة. ومعناه: الحضّ عليها على سبيل المبالغة ) ) [3] ، ونقل المراديُّ عن ابن مالك قوله: (((ألا) التي للعرض مركبة من (لا) النافية والهمزة، بخلاف التي للاستفتاح فإنها غير مركبة. )) [4] فالذي دلَّ على التحضيض هنا كلمتان مجتمعتان في موضع واحد.

وربما فهم بعض العلماء أن (ألا) هذه كلمة واحدة موضوعة للتحضيض قال الطوسي: (( قوله {ألا} كلمة موضوعة للتحضيض على الفعل، وأصلها(لا) دخلت عليها ألف الاستفهام، فصارت تحضيضا كما أنها إذا دخلت على (ليس) صارت تقريرا و (ألا) موافقة للتحضيض بالاستقبال و (أ ليس) إنما هي للحال، فهي موافقة للحال بهذا المعنى. وإذا قال: {ألا تقاتلون} كان معناه التحضيض على قتالهم. )) [5] ، وذهب أبو حيان أيضًا إلى أنها كلمة بسيطة غير مركبة مخالفا بذلك ابن مالك [6] . وإذا ما اعتقدنا مثل هذا الرأي أي أنَّ (ألا) كلمة واحدة تدل على التحضيض وَجَبَ أن نميزها من (ألا) الاستفتاحية فهي تختلف عنها. ولقد صرَّح بذلك الأسترآبادي قائلا: (( وأما(أما) و (ألا) للعرض، فهما حرفان يختصان بالفعل، ولا شك في كونهما، إذن، مركبين من همزة الإنكار وحرف النفي، وليستا كحرفي الاستفتاح، لأنهما بعد التركيب تدخلان على الجملتين: الاسمية والفعلية بلا خلاف، واللتان للعرض تختصان بالفعلية. )) [7] . وجاء منها عند أصحاب المعلقات بيت لامرئ القيس يقول فيه [8] :

(المتقارب)

فَأَنشَبَ أَظفارَهُ في النَّسَا ... فَقُلتُ هُبِلتَ أَلا تَنتَصِر

(1) - ظ: معاني الحروف: 113، رصف المباني 79، الجنى الداني: 370، مغني اللبيب: 97.

(2) - ظ: الصاحبي في فقه اللغة: 187 - 188، شرح المفصل: 8\ 144، البحر المحيط: 5\ 369 - 375، مختصر المعاني: 138 - 139، أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 445.

(3) - الكشاف: 2\ 177، وينظر معه: مجمع البيان: 5\ 22، مفاتيح الغيب: 15\ 535، الجامع لأحكام القرآن: 8\ 68.

(4) - الجنى الداني: 271.

(5) - التبيان: 5\ 183، وينظر معه البحر المحيط: 5\ 369 - 375.

(6) - ظ: شرح الأشموني على ألفية ابن مالك:3\ 611، وينظر معه رصف المباني: 79، الجنى الداني: 371.

(7) - شرح الرضي على الكافية: 4\ 421.

(8) - ديوان امرئ القيس: 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت