لا طائل منه، فمن يشاء أن يسميها تنبيها فله ذلك، ومن يشاء أن يسميها حرفَ نداء فليفعل، فالمعنى واحد ولا فارق بينهما.
السبب الثاني:
قَسَّمَ العلماءُ الإسنادَ على نوعين إسنادٌ فعلي وإسنادٌ اسمي، فكانت بذلك الجملة اسمية وفعلية، ولم يكن تقسيمهم هذا مطردا لهم فسرعان ما ظهرت لهم مشكلة في مثل (النداء) ، ولقد تنبه بعض النحويين المتأخرين إلى خصوصية النداء في الإسناد، قال الأشمونيُّ: (( وأقلُّ ما يكون منه ذلك [أي الإسناد] اسمان، نحو:(ذا زيدٌ) أو فعل واسم، نحو: (استقم) و (قائمٌ زيد) ، بشهادة الاستقراء، ولا نقض بالنداء فإنه من الثاني ))، قال الصبان (ت 1206 هـ) في شرح هذا الكلام: (( وقوله:(ولا نقض بالنداء) أي الجملة الندائية، فإنه أي عند الجمهور من الثاني، أي المركب من اسم وفعل؛ لأن (يا) نائبة عن (أدعو) وهو فعل. )) [1] . وتوافق على هذا الرأي أكثر العلماء.
ويبدو أن سيبويه كان له رأيٌ آخر في جملة النداء، فسيبويه كان قد قسم في كتابه الإسناد على ثلاثة أصنف - وإن لم يتنبه إلى ذلك الكثيرون - الإسناد الاسمي، والإسناد الفعلي، والنوع الثلث الإسناد الذي يعتمد على الأداة ويجري مُجرى الفعل في تأثيره في الأسماء، وقد جمع تحت هذا النوع: (النداء، الحروف الخمسة، كم، النفي بـ(لا) ، الاستثناء بـ (إلاَّ) وما أشبهها) هذه الأصناف الخمسة تتكون الجملة فيها من أداة تعمل هي بنفسها في الاسم الذي تتعلق به كما كان الفعل يعمل في الاسم الذي يتعلق به، وقد عالج سيبويه هذه المواضيع في أبواب متتابعة تدلَّ على رؤيته الواضحة والصريحة لأنها قسمٌ قائم برأسه فبدأ بأبواب الحروف الخمسة قائلا: (( الحروف الخمسة، التي تعمل في ما بعدها، كعمل الفعل فيما بعده، ... ) )، وآخر أبواب هذا النوع هو باب: (( باب لا يكون، وليس، وما أشبههما ) ) [2] ، وكان عدد أبواب هذا الإسناد خمسة وستين بابا من ضمنها أبواب النداء والندبة والترخيم، وهذه الأخيرة ملحقة بأبواب النداء. [3]
إن تقسيم سيبويه هذا - الذي لا يكون فيه النداء جملة فعلية - يخلص النحاة من إشكال كبير وقعوا به، حينما قدَّروا أن حرف النداء نائب مناب الفعل (أدعو) ذلك التقدير الذي يخرج الجملة من حقيقتها الطلبية جاعلا إياها خبرية، وهذا ما لا يريده المتكلم من نطقه بـ (يا زيد) ، وقد حاول الصبَّان نفسه الالتفاف على هذا الواقع بأن ادعى أن الفعل نقل إلى الإنشاء قائلا: (( وأعترض على نيابة حرف النداء عن(أدعو) ، بأن (أدعو) خبر، والنداء إنشاء، وأُجيبُ: بأن (أدعو) نقل إلى الإنشاء. )) [4] جوابه هذا لم يصرح به أحد ولا حجَّة له لإثباته، بل هو خروج عن حقيقة وضع اللفظ من غير مسوغ.
تَوَافَقَ فَهمُ بعض النحويين المحدثين لطبيعة أسلوب النداء ووظيفته مع فهم سيبويه فيقول: (( إن أسلوب النداء ينبني على شيئين، أداة نداء، ومنادى، ومنهما ينشأ مركب لفظي ليس فيه معنى فعل مقدَّر، وليس فيه إسناد، ولا يصح عدُّه في الجمل الفعلية - كما قصد النحاة إليه - ولا يصح أيضًا عدُّه جملة حتى وإن كانت غير إسنادية، ... ، فليس في مثل قولهم: يا زيد، ويا رجل، ويا عبد الله، ويا طالعا جبلا، ويا رجلا صالحا، شيء من إسناد أو تقدير فعل؛ لأن ذلك كله نداء، والنداء تنبيه ولا شيء غيره. ) ) [5] . هذا المركب اللفظي هو كتلة واحدة كالكلمة الواحدة في رأي هذا الباحث يراد به التنبيه، وسواء أكنت أوافقه الرأي أم لي
(1) - حاشية الصبان على شرح الأشموني: 1\ 24 وينظر معه: النداء في العربيَّة: 3 - 4.
(2) - الكتاب: 2\ 131 - 347.
(3) - ظ: منهج كتاب سيبويه في التقويم النحوي: 91 - 96، 382 - 421، وينظر معه: النداء في العربيَّة: 3.
(4) - حاشية الصبان على شرح الأشموني: 3\ 133.
(5) - في النحو العربي، نقد وتوجيه:304، وينظر معه: الجملة العربية وتطورها الدلالي بين النحويين والأصوليين:159 - 161.