فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 295

النداء واحد من أساليب الطلب في اللغة العربية، ويراد به (( تنبيه المدعو ليقبل عليك ) ) [1] ، (( لتخاطبه بما تريد أن تخاطبه به وليس النداء إخبارا ولا استخبارا ولا أمرا ولا نهيا ولا عرضا ولا تمنيا، وإنما تلقي إلى المدعو من هذه المعاني ما شئت بعد دعائك إياه. ) ) [2] أو بعبارة ثانية: (( التصويت بالمُنَادَى ليَعْطِفَ على المُنَادِي. ) ) [3] ، وقال عنه التفتازانيُّ إنه: (( طلبُ الإقبالِ بحرفٍ نائبٍ منابَ(أدعو) لفظا أو تقديرا. )) [4] . فأصلُ النداء يَكْمُنُ في طلب لفت الانتباه إليك وجلبِ فكرِ المُنَادَي نحوكَ. والنداءُ ليسَ مقصودًا لنفسه، إنَّما يُصَارُ إلى النداءِ (( لتنبيه المُخَاطَبِ ليَصغِي إلى ما يَجِيءُ بعدًهُ من الكلامِ. ) ) [5] . فالغايةُ منه وصول مفهوم الكلام التالي للنداء إلى المتلقي غير الملتفت إلى المتكلم، فينبهه بالنداء.

وما معنى (التنبيه) الذي جعلوه قبالة (النداء) إلاَّ التَفَطُّنَ والوقوفَ على الشيء، ولفت النظر إلى ما تريد [6] ، و (التنبيه) مصطلح يفضي إلى وجود شخصٍ غير ملتفتٍ يُرادُ تنبيهه، وشيء يراد التنبيه عليه، ومُنَبِه ينبه الغافل على الشيء. هذه العملية في حقيقتها مطابقة تماما للنداء الذي يتطلب أيضًا شخصا غير ملتفت إليك، وموضوعا تريد أن تبينه له، ونداءً وهو المُنَبِّه، فما الفرق بين الاثنين، ولا يمكن أن يَدَّعُوا أن التنبيه للحاضر أو القريب أو من أنت مشغول معه في الحديث، والنداء لغير هؤلاء، فكل هذه المواطن قالوا إنها يصح معها النداء، فأما القريب فيصح نداؤه إذا كان بمنزلة البعيد، فكان نائما أو ساهيا أو مشغول الذهن لدرجة كبيرة، حتى أننا نجهد في النداء وقد نكرره أكثر من مرَّة إلى أن نلفت عنايته لنا، وقد ننادي القريب بـ (يا) لنواح بلاغية مختلفة [7] ، وأما الحاضر، فهو إما حاضر قريب أو بعيد وكل منهما يصح أن نناديه بـ (يا) وبغيرها لنصرف عنايته لنا، وأما من كنا مشغولين معه بحديث فهذا أيضًا يصح نداؤه لزيادة الانتباه والتنبه لأهمية الشيء المراد طرحه، أو للتأكيد، أو لنواح بلاغية أخرى.

التنبيه ليس مقصودا لذاته، والنداء - كما قدمنا قبل قليل - ليس هو الغاية بل الغاية في كليهما أن يصل ما بعدهما من مفهوم الخطاب إلى المتلقي. فالتنبيه هو النداء والنداء هو التنبيه ولا فارق حقيقيا بينهما، وما ذكره العلماء من خلافٍ خلافٌ غير واقعيٍّ خلافٌ في المصطلح لا في حقيقة الشيء.

ومن الطريف في الأمر أن المالقيّ قال عن (يا) : (( حرفٌ من حروف التنبيه، يُنَادَى به مرَّة، ولا يُنادى به أخرى ) )وقال بعد قليل: (( وأما إذا لم يكن بعده المنادى فتكون للتنبيه لا غير. ) ) [8] ، وهل التنبيه يكون إلاَّ لشخص غيرَ مُنتَبِهٍ، إن اختلافَ التسمية كان مَخْرَجًَا لبعض العلماء مما وقعوا به من إشكال في تركيب الجملة، وقَصْرِهَا على نوعين فقط، وهذا ما سأذكره في النقطة الآتية. ووافق المراديُّ المالقيَّ في رأيه فقال: (((يا) حرف تنبيه، وهي قسمان: الأول: أن تكون لتنبيه المنادى، نحو (يا زيد) ، فهي في هذا حرف نداء، وهي أُمُّ باب النداء، ... ، الثاني: أن تكون لمجرد التنبيه لا للنداء. )) [9] ، أرى أن هذا تلاعب بالألفاظ

(1) - الأصول في النحو: 1\ 401، وينظر معه النداء في العربيَّة: 2.

(2) - الأمالي الشجريَّة: 1\ 273.

(3) - شرح المفصل: 8\ 118.

(4) - مختصر المعاني: 142.

(5) - أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين:218، وينظر معه: الجملة العربية وتطورها الدلالي بين النحويين والأصوليين:155.

(6) - ظ: مادة (نبه) في: العين: 4\ 56، تاج اللغة وصحاح العربية: 6\ 2252، لسان العرب: 13\ 546.

(7) - ظ: الكشاف: 1\ 224 - 225، شرح المفصل: 8\ 121، الإتقان: 2\ 83، معترك الأقران: 1\ 448.

(8) - رصف المباني:451، 452.

(9) - الجنى الداني: 349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت