فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 295

قواعدهم النحوية والصرفية من كلِّ ما روي عن القبائل، وأقحموا على الفصحى اللهجات المتباينة المتعددة، ولم يصدروا - كما قال الأستاذ سعيد الأفغاني ـ في تنسيق شواهدهم عن خطة محكمة شاملة ... ، ومنشأ هذا كله خلطهم بين اللغة الأدائية المثالية ولهجات التخاطب العامة لدى القبائل الكثيرة المشهورة، في حين إن شرط اللغة الاطراد والتوحيد. )) [1] ، فإذا كان عملهم قد أوقعهم في كثير من التناقض - على حد قول صبحي الصالح نفسه - فقد لا يكون من المنهج العلمي أن نصف ذلك العمل بأنه (منهج علمي دقيق) .

أدى هذا التمحُّل في ضبط المستويات المختلفة على وفق قواعد واحدة مطردة إلى مجموعة كبيرة من التأويلات زادت من الخلط، وغموض كلام النحاة، وتضيع الطريق على المتعلم [2] ، فضلا ً عن واصف اللغة.

وخلاصة ما تقدم أنَّه كان على النحويين أنْ يعمدوا إلى نوع واحد من مستويات الكلام ليدرسوه، ضمن حقبة زمنية محددة، وفي بقعة واحدة. وإذا كان الغرض الذي أنشئ النحو من أجله هو الحفاظ على القرآن الكريم كان عليهم أنْ يعتمدوا المنهج الفصيح فقط، فيضمَّ للمألوف من الكلام ما تآزر معه من الشعر أو القرآن، أما ما يخرج عن المألوف فذلك له قواعده وقوانينه التاريخية أو البلاغية أو الجغرافية فيدرس (نحو اللهجات) و (النحو التاريخي) و (النحو القرآني) و (لغة الشعر) كلٌّ على انفراد لتتضح سمات كل واحد منها ومميزاته، وتطرد القواعد، ونتخلص من خرق القاعدة، ونتخلص من كثير من التأويل والتقدير، الذي ضيع علينا نضارة الدرس اللغوي.

ومن هذا المنطلق أقول: يمثل الشعر الجاهلي الذي تناهى إلينا في عصر نزول القرآن القدوة المثلى والدرجة العليا؛ إذ نضج واكتمل على مرِّ عصور سابقة عُرِّض فيها لعمليات نقد وتمحيص توخت تهذيبه وتقويم أساليبه وأوزانه وصوره، أي الارتقاء بلغته ومعناه، ثم إن هذا الشعر كانت تنتظمه لغة أدبية موحدة، لا نرى فيها ما يذكر من خصائص لهجية للقبائل العربية على الرغم من تعدد قبائل قائليه. إنَّ توحد لغته الشعرية يرجع بلا ريب إلى عملية النقد والتمحيص التي رافقت مسيرته، ثم استمرت حتى صار هذا الشعر يمثل جزءًا رئيسا من اللغة العربية الفصحى المشتركة، التي تسعى القبائل كلها إلى التفاهم بها في محافلها العامة ومواسمها [3] ، فلغة الشعر الجاهلي تتضمن سمتين رئيستين:

· إنَ لغته تمثل نموذجا للغة الفصحى (المشتركة) .

· إنَّ لغته تمثل لغة ذات مستوى بلاغي عالي الجودة؛ إذ هي لغة فنية لنص أدبي، فهي ليست لغة نثرية من المستوى الثاني، بل هي المستوى الثالث المفهم الصحيح البليغ.

قلت إن القرآن نزل بلغة العرب الفصحى بعد وصولها إلى قمة نضجها متمثلة في نماذج الشعر الجاهلي الفصيح. ومن هنا أيضا كان من بعض سمات لغة القرآن الكريم هاتان السمتان:

1.إن لغة القرآن تمثل النموذج الأرقى للغة الفصحى (المشتركة) .

2.إن لغة القرآن نموذج للغة البليغة، بل هي أبلغ نص عربي تشرفت بتمثيله اللغة العربية.

(1) - دراسات في فقه اللغة: 64.

(2) - تاريخ ابن خلدون:1\ 531.

(3) - ظ: مستقبل اللغة العربية المشتركة:9، النقد اللغوي عند العرب:25، 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت