فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 295

المدَّة على سعتها لا تصلح للدرس؛ إذ أنها شهدت تغيرًا كبيرًا في اللغة، تمثل بنزول القرآن الكريم، وتطور أساليب القول تبعا لذلك، فضلا عن طولها. فكأنَّ النحاة استشعروا ضرورة تحديد عصر معينٍ للدرس، لكنهم لم يكونوا موفقين تماما حينما جعلوه ثلاثة قرون نصفها قبل الإسلام ونصفها بعده.

والواقع أن كلا الفريقين- البصري والكوفي- ابتعد عن غايته في نظرتهم هذه، إذا كانت الغاية هي وضع قواعد للغة الفصحى أو العربية المشتركة. ويبدو أن الذي دفعهم إلى هذا الخلط الكبير أمران:

· أوَّلهما عدم وضوح العلاقات والفوارق بين اللهجات والمستويات النطقية واللغة العربية الموحدة (الفصحى) ؛ ولذلك (( سعى البصريون للأخذ عن قبائل معينة، وهدفهم هو الوصول إلى تقعيد اللغة الأدبية المشتركة، غير إنهم لم يفرقوا فيما أخذوا عن هذه القبائل بين تلك اللغة المشتركة ولهجات الخطاب. ومن هنا جاء الخلط والاضطراب ورأيناهم يؤولون كلَّ مثال شذ َّ عن قواعدهم. ولم يكن الكوفيون أقلَّ منهم حظا ً في الاضطراب والخلط لأنهم أخذوا اللغة عن كلِّ العرب، ولم يفرقوا كذلك بين اللغة المشتركة وأصحاب الخطاب. ) ) [1] .

· والآخر: تعدد الدوافع والغايات التي يقام من أجلها الدرس النحوي واللغوي، فهو تارة ً وصفيٌ، وأخرى تعليميٌ، وثالثة فلسفيٌ جدليٌ، وقد لا نعدم جانبا من البحث المقام من أجل التسلية العقلية أو لإظهار المقدرة ولنيل الحظوة.

هذان الأمران دفعا إلى ذلك الخلط بنسب غير متساوية من عالم إلى آخر. ومما سبق يتضح: أني أتحرج من قبول رأي تمَّام حسَّان عندما يرى أنَّ (( اللغة التي درسها النحاة كانت إلى حدٍّ كبير لغةً واحدة ً لا تفسدها الفروق اللهجيَّة إلا إلى حدٍّ محدودٍ، يشهد لذلك أن النحو كما تلقيناه عن الأقدمين لا يبدو فيه التلفيق إلا إلى حدِّ محدودٍ أيضا. أما الشذوذ فأمرٌ شائع في اللغات جميعا. ) ) [2] ، والحق أن النحو الذي ورثناه في كتب الأقدمين يمثل مجموعات نحوية لمستويات نطقية متعددة، أرغمت بعنف على أن تصاغ بقالب واحد، حتى وإن أدَّى ذلك إلى كسر بعض تلك القواعد، أو التضحية بالمستوى الدلالي للكلام أو البلاغي فيه. والغريب أن تمَّام حسَّان يقول في الصفحة السابقة: (( ولو سألنا أصحاب المناهج الحديثة: ماذا كان على النحاة أن يفعلوا في وضع لغوي كهذا الذي صادفوه في أيامهم؟ لكان ردهم هو الإحالة إلى ما يجري في الوقت الحاضر في أقسام الدراسات اللغوية الحديثة بالجامعات ... [وهو] التزام لهجة واحدة بعينها، لا يخلط غيرها بها - لأن لكل لهجة نظامًا وبنيةً جامعةً مانعةً متميزةً عن بنية كل لهجة أخرى ... ، فلو أن طالبا تصدى للبحث في لهجتين أو أكثر في وقتٍ واحدٍ ... لأوقعه ذلك في متاهات ومتاعب. ) ) [3] ، أقول: وهذا ما لم ينج منه بعض النحو العربي.

وإني أتحفظ أيضا في قبول مقولة صبحي الصالح حينما يقول: (( ومنهج الأقدمين في جمع اللغة علميٌ دقيقٌ يعول على الملاحظة والاستقراء، والإفراط في الحيطة أحيانا حتى لنستطيع أن نكون مطمئنين إلى أكثر ما استنتجوه من خصائص لغتنا التي تجنبوا أخذها عمَّن تشوب عربيَّتهم أيَّة شائبة. ) ) [4] ، ففي الوقت الذي أوافق فيه صبحي الصالح على أن علماء اللغة الأوائل قد استوعبوا نماذج اللغة أجمع أو قاربوا ذلك، إني لا أستطيع القول: إن ما استنتجوه من قواعد - قد وصلت أحيانًا إلى حد التناقض فيما بينها - هو من خصائص العربية الفصحى، وقد قال صبحي قبل ذلك: (( فوقعوا [أي النحاة القدماء] في كثيرٍ من التناقض حين استنبطوا

(1) - فصول في فقه العربية: 107.

(2) - الأصول:108.

(3) - الأصول:106 - 107.

(4) - دراسات في فقه اللغة: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت