فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 295

وجود الإنسان في كتاب الله تعالى مكان لا يتجاوزه ذلك هو مكانه الطبيعي، الذي قدَّره الله تعالى له وهو مقدِّر الأشياء بمقاديرها، وهذا هو الفارق بين لغة القرآن الكريم ولغة الشعر عند الجاهلين عموما، وأصحاب المعلقات خصوصا. النظرة عند الشعراء تجزيئية، وفي كتاب الله شمولية، لا يُهمَلُ فيها جانب على حساب جانب آخر، في حين في الشعر، ليس الشمول من طبيعة الشعر، ولا يسمح فكرُ الشعراء بتلك النظرة الشمولية، فالشاعر معبر عن فكره هو، وهو ليس فيلسوفا متخصصا في التفكير في الوجود، وإنما هو معبر عن تجربة مرَّت به يحاول وصفها وصفا أمينا، وتمثيل انطباعه عنها. ولكن مع هذه السمة الجزئية في الشعر تبقى لغة الشعراء معيارا مهما نتبيَّن منه كثيرا من عادات المجتمع وأفكاره وعلاقاته، من خلال تجميع الجزئيات وترتيب الأفكار.

من هنا كنا نجد في القرآن الكريم هذه الآيات الكثيرة التي تتحدث عن مستقبل الإنسان وتستعمل فيها (لن) لتربط حاضر الفرد بمستقبله، منها آيات كريمات وصفن حال المشركين وتصورهم لما بعد الدنيا، منها قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} (البقرة: من الآية 80) ، ومثله قوله - عز وجل: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} (البقرة: من الآية 111) ، فهذه الآيات ومثيلاتها، يتحدثن عن اليوم الآخر وهو أمر مستقبلي، وكانت محاولة بعض الكافرين في دعوتهم أن النار لن تمسهم محاولة للقفز فوق الوقت تستبق العصر لتحاول أن تهدئ من روع الكافرين، فعلاقة الكافرين بالمستقبل، مشحونة بالخوف والرعب مما كانوا يسمعونه من الوعد والوعيد في آيات القرآن، أو من قصص الأمم السالفة. وكان هنالك عدد آخر من الآيات يخص الكافرين أيضًا لكنه يتعلق بأحوالهم في الحياة الدنيا، مثل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} (البقرة: من الآية 55) ، ومنها قوله تبارك شأنه: {حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} (غافر: من الآية 34) ، ولم يقتصر بيان حال المستقبل على الكافرين فقد جاءت آيات أخر، منها قوله - عز وجل: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: من الآية 92) ، فهذه الآية تبين للمسلمين أن الإنفاق طريق للوصول إلى البر في المستقبل، ويجب اغتنام الحاضر للإفادة من المستقبل، ومثل ذلك قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} (التوبة: من الآية 51) ، إن ما يمر على الإنسان من أحداث هو ما كتبه الله له، وعلى وفق هذه النظرية الإسلامية يجب على الإنسان أن يعي حقيقة الوجود، ويفهم كيف ينتفع من حياته للوصول إلى رضا الله في المستقبل.

أما المخضرمون فلم يسمح لهم الوقت بعد بتصحيح الفكر القديم، وتشكيله في ضوء المعطيات الجديد للقران الكريم، فقوَّة الفكر والعقيدة تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لتغير من سلوك الإنسان وتبعا لهذا التغيير تتغير لغته، فأعتقد أنَّ الوقت لم يسعفهم بعد بالنظر إلى المستقبل نظرة شمولية، فبقيت لغتهم تستقي من الماضي، ولا تعتمد على المستقبل بصورة كبيرة.

من خلال ما تقدَّم أعتقد أنَّي أقدِّم تفسيرا مقبولا ومعقولا لقلَّة استعمال الجاهليين والمخضرمين لـ (لن) ، وكثرة استعمال القرآن الكريم لهذا الحرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت