مفهوم الأداة عنده أيضا غير واضح المعالم؛ إذ صار عنوانًا عامًا يحتوي على أصناف مختلفة، وفي هذا الصنيع إطلاقٌ وحكمٌ بالعموم قد (( لا يخدم البحث العلمي في مسألة من أهم مسائله، وهي تقسيم الكلم فإني أرى أن درج الظروف بمجموعها، وإن شابهت الأدوات في التعليق، وعدم الدخول في جدول تصريفي، وليس لها صيغ معينة، إلاَّ أنَّ الأداة متأصلة في الرتبة وهي أشدُّ تأصلًا من الظروف والضمائر ... فانفراد الأداة بالصدارة يعتبر [1] من أهم المميزات الشكلية التي تميز الأداة عن [2] الظروف ... ) ) [3] . وبذلك يكون إبراهيم أنيس قد عاب على القدماء ما وقع فيه عند محاولته تحديد الأنواع وضبط تعريف جامع مانع لكل منها، ولاسيما الأدوات.
والعالم الثاني من علماء اللغة المحدثين الذين تناولوا قضية تقسيم الكلم بالبحث والنقد ومحاولة التجديد، هو مهدي المخزومي، فقد بيَّن أن الكوفيين كانوا يريدون بمصطلح (الأداة) ما كان يريده سيبويه (ت 180 هـ) بـ (الحروف) ؛ لذا عدل المخزومي عن الحروف إلى الأدوات، وعرَّف (الأداة) بأنها ما لا يدلّ على معنى إلاَّ في أثناء الجملة، وذكر أن الأدوات كلمات إذ أخذت مفردة غير مؤلفة فليس لها دلالة على معنى، ولا تدل على معانيها إلاَّ من خلال الجملة على العكس من الأسماء والأفعال، فدلالتها على معانيها بادية حتى وإن لم تدخل في تركيب [4] . فهو بهذا الرأي يشابه رأي الرضي (ت 688 هـ) المتقدِّم، وأشار أيضًا إلى أن ما تؤديه الأدوات هو التعبير عن المعاني العامة التي تطرأ على الجمل مما يقتضيه حال الخطاب ومناسبات القول، ومن هذه المعاني الاستفهام وله أدواته، والنفي وله أدواته، وكذلك الشرط والتوكيد والاستثناء والوصل، ولكلٍّ أدواته [5] .
والذي يهمنا في رأيه أنه عدَّ الأدوات قسمًا قائمًا برأسه، وإن كان قد توسع فيها بعض الشيء، وغيَّرَ اسمها مثل حال الكوفيين من الحروف إلى الأدوات.
ولعلَّ أهم من تناول موضوع تقسيم الكلم من العلماء المحدثين تمَّام حسَّان الذي انتقد تقسيم النحاة القدماء للكلمات بأن أسسهم لم تكن واضحة، وغير مذكورة لنا، وإذا نظرنا إلى تقسيمهم من خلال الدراسات اللغوية الحديثة أمكننا أن نصل إلى شيئين:
1 -إن الكلمات العربية يمكن أن ينتقد تقسيمها القديم.
2 -إن هذا التقسيم ينبني على أسس يمكن استعمالها في تقسيم جديد [6] .
وحدَّد تمَّام حسَّان الأسس التي رآها صالحة لبناء تقسيم جديد للكلم العربي وهي: (الشكل الإملائي، والتوزيع الصرفي، والأسس السياقية، ومعنى الوظيفة والوظيفة الاجتماعية.) [7] .
وبناءً على هذه الأسس قسَّم تمَّام حسَّان الكلام العربي على سبعة أقسام هي (الاسم والصفة والفعل والضمير والخالفة والظرف والأداة.) [8] ، وينحصر كلامنا في القسم السابع فيقول عن الأداة: إنها (( مبنى تقسيمي يؤدي معنى التعليق، والعلاقة التي تعبر عنها الأداة إنما تكون بالضرورة بين الأجزاء المختلفة في الجملة. ) )، وهي تنقسم عنده على نوعين:
(1) - هكذا ورد والصحيح: يُعَدُّ. لأن المعتبر المستدل بالشيء على الشيء وهو المتعظ، ظ: لسان العرب: مادة (عبر) :4\ 530.
(2) - هكذا ورد والصحيح: تميز الأداة من الظروف. يقال (إنماز بعضه من بعض) ، ظ: العين مادة (ميز) : 7\ 394.
(3) - ظ: أقسام الكلام العربي من حيث الشكل والوظيفة: 124 - 125.
(4) - ظ: في النحو العربي قواعد وتطبيق: 37 - 45.
(5) - ظ: في النحو العربي قواعد وتطبيق: 37 - 45.
(6) - ظ: مناهج البحث في اللغة: 196.
(7) - ظ: مناهج البحث في اللغة: 196.
(8) - ظ: اللغة العربية معناها ومبناها: 122 - 124.