على نبينا وعليه الصلاة والسلام ضرورة ترشيد الاستهلاك لمواجهة الازمات الاقتصادية، قال الله تعالى: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [1] ، فالتعبير بقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ} يشير الى ضرورة الاقتصاد في الاستهلاك، والى استخراج ما يحتاجون اليه من القمح، بقدر الحاجة، وقال الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [2] . ففي هذه الآيات يربط الله - عز وجل - بين ايتاء حق الثمار يوم حصادها من ناحية، وبين عطاء الأرض لهذه الثمار، وعدم الاسراف من ناحية أخرى ومؤدى ذلك أنه جل شأنه يقرر أن استمرار عطاء الارض مشروط بالعدل الاجتماعي، والتعاون بين الناس وعدم الاسراف، ولا بد من توجيه الانتاج والاستهلاك الوجهة الصحيحة لحماية موارد البيئة من ناحية وانقاذ الشعوب التي تموت جوعًا من ناحية اخرى، فكثير من الشعوب لا تجد ما يسد جوعها وقليل منها ويضيع فيما عنده من موارد حتى أنها لتنفقها على الحيوانات او تحرقها وتتلفها ولتحرم الآخرين منها [3] .
والخلاصة: ان المطلوب في جميع الامور والاخلاق: الوسط، اذ خير الامور اوسطها وكلا طرفي قصد الامور ذميم، فمن أسرار حكمة الشريعة ان كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الاقصى، وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه، على وجه يوميء عند الجاهل الى ان المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الامكان، والعالم يدرك ان المقصود الوسط؛ لان الطبع اذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي ان يمدح غاية الجوع، حتى يكون الطبع باعثًا والشرع مانعًا فيتقاومان ويحصل الاعتدال، ولذلك قيل دين الله بين المقصود والغالي. ومثال طلب الادمي البعد عن
(1) سورة يوسف الآية 47.
(2) سورة الانعام الآيتان 141 - 142.
(3) ينظر عناصر الانتاج 159/ 160.