فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 144

هذه الاطراف المتقابلة بالرجوع الى الوسط، نمله ألقيت في وسط حلقة محمية من النار مطروحة على الأرض، فان النملة تهرب من حرارة الحلق وهي محيطة بها لا تقدر على الخروج منها، فلا تزال تهرب حتى تستقر على المركز الذي هو الوسط، فلو ماتت على الوسط، لان الوسط أبعد المواضع عن الحرارة التي في الحلقة المحيطة، فكذلك الشهوات محيطة بالانسان احاطة تلك الحلقة بالنملة، والملائكة خارجون عن تلك الحلقة، ولا مطمع للانسان في الخروج وهو يريد ان يتشبه بالملائكة في الخلاص، فأشبه احواله بهم البعد، وأبعد المواضع عن الاطراف الوسط، فصار الوسط مطلوبًا في جميع هذه الاحوال المتقابلة [1] .

فيستنتج أن الوسطية في ديننا الاسلامي جعلت من المجتمع عمليًا حركيًا بأتجاه تحقيق الهدف الاسمى والغاية المثلى هو رضا الواحد المعبود ربنا المتعال سبحانه وتعالى وهذا ما حقق ويحقق في جميع الامصار والاعصار والازمنة الضمان الاقتصادي للمجتمع.

(4) المنفعة نسبة لا مطلقة (اضافة لا حقيقية) : ان المنافع والمصالح والمفاسد كونها مشروعة او ممنوعة، وذلك بحسب الحاجة لاقامة الحياة، لا لتحقيق الشهوات والاهواء. قال الامام الشاطبي رحمه الله تعالى: (ان المنافع والمضار عامتها ان تكون اضافية لا حقيقية، ومعنا كونها اضافية انها منافع او مضار في حال دون حال، وبالنسبة الى شخص دون شخص، او وقت دون وقت فالاكل والشرب مثلًا منفعة للانسان ظاهرة، ولكن ثم وجود داعية الاكل، وكون المتناول لذيذًا طيبًا لا كريهًا ولا مرًا وكونه لا يولد ضررًا عاجلًا او آجلًا، وجهة اكتسابه لا يلحقه به ضرر عاجل ولا آجل، ولا يلحق غيره بسببه ايضًا ضرر عاجل ولا آجل، وهذه الامور قلما تجمع فكثير من المنافع تكون ضررًا على قوم لا منافع وتكون ضررًا في وقت أو حال ولا تكون ضررًا في آخر وهذا كله بين كون المصالح والمفاسد مشروعة او ممنوعة لاقامة هذه الحياة لا لنيل الشهوات، ولو كانت موضوعة لذلك لم يحصل

(1) ينظر احكام القران للجصاص 3/ 43، وينظر احياء علوم الدين 3/ 119 - 120

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت