إن الحياة في تطور مستمر وفي شكل دائم وفي جميع مجالات هذه الحياة، فالاقتصاد هو مجال من هذه المجالات المحكوم بهذا التطور، فما نتج عن ذلك مسائل جديدة لم تطرح من قبل، ولا بد من الإحاطة بمعرفتها لملازمتها للحياة، والإنتاج هو واحد من تلك المسائل الاقتصادية التي تحتاج الى معرفة حكم شريعتنا الغراء بها، والنظر الى الإنتاج وكونه مقوم مهم من مقومات الضمان الاقتصادي للمجتمع فهو غير منفصل عن فكر الإنسان لحياته، ودور هذا الإنسان في الإنتاج وكيفية تحقيق وسائل المعيشة وأسباب الرزق له ولا بد من معرفة الوسائل المستخدمة في الإنتاج وأقسام النشاط الاقتصادي الأخرى التي لها علاقة وثيقة بالإنتاج فيأخذ الإنتاج الأحكام التالية:-
(أ) الوجوب: إن الأدلة الشرعية توجب على الفرد الكسب والسعي لتحصيل الرزق، فمن كانت المقدرة متوفرة فيه للإنتاج فهو ملزم بذلك للحفاظ على نفسه وتوفير ما يحتاج الى ديمومتها؛ لأننا مأمورون بالمحافظة عليها، وأما من لا يستطيع ذلك فوجوب السعي له حتى يحصل على المال ليضمن له شراء منتجات الآخرين وكل هذا لتحقيق الضمان الاقتصادي لكل فرد في المجتمع فمن النصوص التي تدل على وجوب الإنتاج قوله تعالى:- {يا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [1] .
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة هاهنا قاله ابن عباس من طيبات ما رزقكم من الأموال التي اكتسبوها قال مجاهد: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه) [2] .
وقوله تعالى (( أَنفِقُوا ) )هو أمر بالإنفاق من أطيب المال ويتحقق الإنفاق بالكسب والإنتاج فالقاعدة الأصولية تقول (وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) [3] ، فالإنتاج واجب؛
(1) سورة البقرة الآية 267
(2) تفسير القرآن العظيم 1/ 327
(3) المحصول في علم اصول الفقه للامام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (ت 606 هـ) رحمه الله تعالى - تحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني - مؤسسة الرسالة - بيروت - الطبعة الثالثة= =1418 هـ -1997 م 5/ 289 والاحكام في اصول الاحكام للامام علي بن محمد الامدي - تعليق عبد الرزاق عفيفي - المكتبة الاسلامية - مؤسسة النور - الرياض- الطبعة الاولى 1387 هـ 1/ 117.