حيث اعتنوا به عناية حميدة، وتناولوه بالشرح والتهذيب، والاختصار، والتعليق، قال المقري:
(وقد أتيتُ له ـ يعني ابن عصفور ـ من أفريقية بكتاب المقرَّب، فتُلقي باليمين من كل جهة وطار بجناح الاغتباط) [1] .
وقد وصف طاشكبري زاده [2] كتاب المقرب بأنه من المبسوطات في النحو.
ويُعدّ كتاب المقرب رأس قائمة كتب ابن عصفور، ولا تُغفِل كتب التراجم إبراز كتاب المقرب عند الترجمة لابن عصفور، وقد تُغفل غيره من كتبه، مما يُشير إلى أهميته، وعلى العموم فقد عُرِف ابن عصفور بالمقرب والممتع.
لِمَن ألَّف ابن عصفور المقرب، ومتى؟
يذكر ابن عصفور في مقدمة المقرب أنه وضع كتابه المذكور بإشارة من الأمير المظفر المؤيد أبي زكريا [3] ، وهذا الأمير هو: أبو زكريا يحيى بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي بكر بن أبي حفص الهنتاني، جدّ الخلفاء الحفصيين، وماهد أمر أفريقية لهم، بويع بالقيروان في رجب سنة (625 هـ) ، وجددت له البيعة يوم وصوله إلى تونس، في الرابع والعشرين من رجب المذكور، وفي سنة (634 هـ) بويع البيعة الثانية، وذكر اسمه في الخطبة [4] ، وكان هذا الأمير فذا في البلاغة، والأدب، واللغة، وكان من العلماء العاملين، ناظر في النحو ابن عصفور، وكانت وفاته سنة (647 هـ) [5] .
ويبدو لنا أنّ تأليف المقرب كان في حدود سنة (634 هـ) ، أي بعد بيعة أبي زكريا الثانية في تونس، لأنّ المصادر تروي لنا أنّ هذا الأمير تفرغ لشئون العلم والعلماء، بعد هذه البيعة، حيث هدأت البلاد، ودانت له العباد، وهذا يعني أنّ تأليف المقرب كان بين سنتي (634 ـ 647 هـ) ، أي أنّ المقرب أُلِّف بعد الممتع في التصريف، وقبل كتاب ضرائر الشعر.
والظاهر أنّ ابن عصفور ألَّف المقرب للمبتدئين، حيث توخّى فيه التبسيط والتوضيح، والبعد عن إيراد الخلافات، مع حسن التنسيق والترتيب، ويبدو لنا أنّ ابن عصفور كان أحسّ أنّ كتب النحو صعبة الفهم على الشادين، بل إنّ بعضها يتعذر استيعابه وفهمه على المتخصصين أنفسهم، لِما فيها من حشو وفضول، وعلل وعوامل، يسوغها منطق العقل لا
(1) نفح الطيب 3/ 184.
(2) مفتاح السعادة 1/ 182.
(3) المقرب 1/ 44.
(4) الحلل السندسية، ق 4 1/ 1023 ــ 1024.
(5) البيان المغرب 3/ 393.