أراد: فأصابك الشر، فاكتفى بالفاء والهمزة، وحذف ما بعدهما، وأطلق الهمزة بالألف، وأراد بقوله: (إلا أن تآ) إلا أن تأبى الخير، فاكتفى بالتاء والهمزة، وحذف ما بعدهما وحرك الهمزة بالفتح، وأطلقها بالألف [1] .
والواقع أنّ هذا الحذف أثر من آثار السرعة في الأداء، وهذا النوع من الحذف خاص بالوقف، وقد عُزي هذا النوع من الحذف إلى بني سعد [2] ، ونظنهم سعد تميم، ذلك أنّ الراجز من بني ربيعة بن مالك [3] ، وربيعة بن مالك ينتهي نسبه إلى تميم [4] .
ولعل ابن عصفور كان واهما عندما عدّ الحذف في هذا الرجز ضرورة، فالشاعر هنا يُمثل لغة قومه، وما تزال هذه اللهجة شائعة في بعض أقاليم مصر، فيقولون: (يا محمَّ) ، يريدون يا محمد [5] .
وفي نهاية حديثنا عن آثار ابن عصفور المطبوعة، ينبغي أنّ نؤكد أنّ مصادر ابن عصفور في هذه الكتب، هي نفسها مصادر النحاة في ذلك العهد، ويقف على رأسها كتاب سيبويه، الذي كنَّا نشم رائحته في طيات كتب ابن عصفور، والنحاة الذين كان يردد ابن عصفور أسماءهم، هم نحاة البصرة في الغالب، ولا نعدم ذكرا لنحاة الكوفة، في ثنايا كتبه، وكذلك للنحاة الذين يمثلون الاتجاه البغدادي.
وهذا لا يعني أنّ ابن عصفور كان مجرد ناقل، أو جامع يجمع الآراء، ويُقدِّمها للدارسين، بل كانت له مقدرة فائقة في التعليل والترجيح، كما تظهر أحكامه على حظ كبير من السداد والقبول، شأن العالِم المعتد بعلمه، المتأكد من صحة قوله، وتصويب رأيه، وكثرة حفظه، وعمق إدراكه، وتمكنه من الفهم، وإذا كانت كتبه مليئة بالكثير مما نقله من غيره، من شواهد وأحكام، فإنّ الكثير ليشهد بأنه لم يكن مجرد ناقل لآراء سابقيه وشيوخه، فهو يُناقشهم فيها، ولا يتردد في إبداء رأيه، ولو كان ذلك مخالفا لآراء شيوخه، ومَن نقل عنهم، وتخرج عليهم، ولا يُحجم عن تأييد أقواله واستحسانها، واستبعاد آرائهم؛ حتى كانت أقواله وأحكامه وآراؤه، إلى جنب أقوال شيوخه وآرائهم وأحكامهم، دالة على أنه لا يقل عنهم شأنًا، ولا ينقص قدرا وعِلما وأصالة، بل ربما بذّهم جميعا.
(1) ضرائر الشعر، ص 185.
(2) لسان العرب 15/ 430 (مادة آ) .
(3) أبو زيد الأنصاري، النوادر في اللغة، ص 386.
(4) ابن دريد، الاشتقاق 1/ 67.
(5) اللهجات في الكتاب، ص 576.