وألحقوا الكلام المسجوع في ذلك بالشعر، ودليل ذلك قولهم: (شهر ثري، وشهر ترى، وشهر مرعى) ، فحذفوا التنوين من (ثرى) ومن (مرعى) إتباعًا لقولهم ترى، لأنه فعل، فلم ينون لذلك، وفي الحديث عن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنَّه قال: {ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غيرَ مَأْجُورَاتٍ} [1] . والأصل موزورات، لأنه من الوزر، فأبدلوا الواو ألفًا إتباعًا لمأجورات، وقد جاء مثل ذلك أيضًا في فواصل القرآن لتتفق، قال الله تعالى: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [2] ، وقال سبحانه: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [3] فزيادة الألف في (الظنونا) و (السبيلا) بمنزلة الألف في الشعر على جهة الإطلاق [4] .
وهكذا نرى أنّ ابن عصفور لم يفصل بين الشعر والقرآن الكريم، من حيث استعمال الضرورة، ذلك لأنه لا يحدد الضرورة بعنصري الوزن والقافية، كما فعل غيره من النحاة، فالضرورة عنده تتعالى عن الوزن والقافية والاضطرار جميعا.
أمَّا أنواع الضرورة عند ابن عصفور فتنحصر في: الزيادة، والنقص، والتقديم، والتأخير، والبدل، والزيادة تنحصر في: زيادة حركة، وزيادة حرف، وزيادة كلمة، والنقص ينحصر في: نقص حركة، ونقص حرف، ونقص كلمة، والتقديم والتأخير منحصر في: تقديم حرف على حرف، وفي تقديم بعض الكلام على بعض، والبدل منحصر في: إبدال حركة من حركة، وإبدال حرف من حرف، وإبدال كلمة من كلمة.
ويرى ابن عصفور أنّ ما كثُر استعماله من ذلك يجوز القياس عليه، وما لا يكثر، فلا سبيل للقياس عليه [5] .
ومما أُخذ على ابن عصفور أنه عدّ حذف الجزء الأخير من الكلمة في الشعر ضرورة، ومن ذلك قول لقيم بن أوس:
بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شرًا فا ... ولا أريدُ الشرَّ إلاّ أنْ تا [6]
(1) الجامع الكبير، للسيوطي 1/ 3442، ونصه كاملا: [ارجعْنَ مَأْزُورَات غيرَ مَأْجُورَاتٍ مفتنات الأحياءِ مؤذياتِ الأموات] ، وعن أنس أنَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاله لنسوة خرجن خلف الجنازة. وأورده: ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 902، رقم 1506) وقال: لا يصح، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة 6/ 262: ضعيف.
(2) الأحزاب / 67.
(3) الأحزاب / 10.
(4) ضرائر الشعر، ص 13 ــ 14.
(5) ضرائر الشعر، ص 311، والمقرب 2/ 202 ــ 206.
(6) البيت من شواهد الأخفش الأوسط في القوافي، ص 48، والمبرد في الكامل 1/ 245.