فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 369

ومنهم مَن ذهب إلى أنّ الشاعر يجوز له في كلامه وشعره ما لا يجوز لغير الشاعر في كلامه، لأنّ لسانه قد اعتاد الضرورات، فيجوز له ما لا يجوز لغيره، وهو مذهب الأخفش [1] .

لقد خضعت فكرة الضرورة الشعرية عند القدماء لفكرة الوزن والقافية خضوعا كاملا؛ حتى انتهى القول في الضرورة على أنها ما يجوز للشاعر في الشعر، بما لا يجوز لغيره في النثر، وربما كان السبب في ذلك هو التعارض بين مستلزمات الوزن والقافية، ومستلزمات اللغة والنحو، وقد جاء هذا المعنى من الربط بين الضرورة الشعرية والميزان الشعري.

أمَّا ابن عصفور فلن يشترط الاضطرار [2] ، وتبعه ابن هشام الأنصاري، فجوّز ذلك مطلقا، وإنْ لم يضطر إليه [3] .

والضرورة الشعرية ليست عند ابن عصفور خروجا على القياس، بل القول فيها على خلاف ذلك، وإنما هي من معاودة الأصول، ومراجعة القياس [4] ، ومعنى ذلك أنّ الشاعر إنما يرجع في الضرورة إلى الأصل، الذي يُخالفه الاستعمال الجاري للغة، وهذه هي الفكرة التي استقرّ عليها البحث في الضرورة عند ابن عصفور، ومن هنا يظهر لنا أنّ الضرورة الشعرية لا ارتباط لها بالوزن، ولا تتحدد به، وإنما تتحدد بماهية الشعر نفسه، من حيث هو مستوى من التعبير مختلف عما عليه سائر الكلام، فللشعر تركيبات لغوية تختص به، وقد نبه ابن عصفور على هذا المعنى في مقدمة كتابه، فقال:

أجازت العرب في الشعر ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه، لأنه موضع ألفت فيه الضرائر، ودليل ذلك قوله:

كم بجودٍ مقرفٍ نالَ العُلي ... وكريمٍ بخُلُهُ قد وضَعَه [5]

في رواية من خفض مُقرفا، ألا ترى أنه فصل بين (كم) وما أضيفت إليه بالمجرور، والفصل بينهما من قبيل ما يختص بجوازه الشعر، مع أنه لم يضطر إلى ذلك، إذ يزول عن الفصل بينهما برفع مقرف أو نصبه [6] .

ويرى ابن عصفور أنه يجوز في الشعر وما أشبهه من الكلام المسجوع ما لا يجوز في الكلام غير المسجوع، من ردّ فرع إلى أصل، أو تشبيه غير جائز بجائز، فقال:

(1) شرح الجمل 2/ 550.

(2) ضرائر الشعر، ص 13.

(3) خديجة الحديثي، أبو حيان النحوي، ص 447.

(4) ضرائر الشعر، ص 28.

(5) لأنس بن زنيم الكناني، أحد بني الديل بن بكر، والبيت من شواهد الإنصاف في مسائل الخلاف، ص 303، وفي شرح ابن يعيش على المفصل 4/ 132، وفي المقرب 1/ 313، وفي خزانة الأدب 3/ 119.

(6) ضرائر الشعر، ص 13 ــ 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت