إبراز الفروق الحقيقية، والاتجاهات الفكرية المختلفة لهذه المذاهب، كما عجز عن تجميع الخصائص المشتركة، والاتجاهات الفكرية الموحدة.
ونحن لا نرى اتخاذ هذا المعيار أساسا لتقسيم العلوم إلى مذاهب فكرية مختلفة؛ لأنّ وجود جماعة من الدارسين في مكان واحد، لا يكفي مطلقا لتكوين مدرسة، اللهم إلاّ إذا وجد الخيط الذي يصل بينهم، والخطة أو النظرية التي يشتركون في تطبيقها، وإزاء ذلك لا بدّ من المعيار المبني على أساس النظريات والاتجاهات المختلفة، فهذا الأساس أكثر دقة وفائدة من الأساس الجغرافي، حيث يستطيع الدارس تتبع النظرية أو الاتجاه، ورسم الحدود والمعالم عبر العصور، دون استخدام للتعميمات، التي تفتقر في الغالب إلى الدقة الموضوعية.
وقبل الإجابة عن القسم الأخير من السؤال، الذي طُرِح، لا بدّ أنْ نتساءل: هل كان هناك مذهب يٌعرف بالمذهب الأندلسي؟
أغلب الظن أنّ فكرة المذهب الأندلسي مستوحاة من عمل الزبيدي في طبقاته، حيث أفرد للنحويين واللغويين الأندلسيين مكانا خاصا بهم، مقابل نحاة البصرة، ونحاة الكوفة، مما أوهم بوجود مذهب أندلسي، على الرغم من أنّ الدرس النحوي في الأندلس؛ حتى زمن الزبيدي، لم يختلف عما كان عليه نحاة البصرة والكوفة، والنحاة الذين سبقوا الزبيدي كانوا نقلة لنحو البصرة والكوفة، أو شُراحا لكتب الأعلام من هذين المذهبين، وفي إلقاء نظرة على ما كتبه الزبيدي عن نحاة الأندلس، يكفي للتدليل على أنهم كانوا تابعين لأحد المذهبين، ولم يكن بينهم مَن نزع منزعا مخالفا لنحاة البصرة والكوفة.
يضاف إلى عمل الزبيدي في طبقاته أنّ القدماء قد جرى على ألسنتهم ذكر لنحاة من أهل الأندلس، فأبو حيان يقول في معرض حديثه عن قضية الاستشهاد بالحديث النبوي:
(أن الواضعين الأولين لعلم النحو، المستقرئين للأحكام من لسان العرب، كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي، والفراء، وعلي بن المبارك الأحمر، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على ذلك المسلك المتأخرون من الفريقين، وغيرهم من نحاة الأقاليم، كنحاة بغداد وأهل الأندلس) [1] .
كما أنّ أبا حيان ألّف كتابا في نحاة الأندلس، سمَّاه: تحفة الندس في نحاة الأندلس [2] ، غير أنّ هذا الكتاب لم يصل إلينا، وبهذه الطريقة يذكر ابن خلدون [3] ، والمقري [4] نحاة
(1) خزانة الأدب 1/ 5.
(2) بغية الوعاة 1/ 282.
(3) مقدمة ابن خلدون، ص 294.
(4) نفح الطيب 7/ 280.