الأندلس، وكل هذا الذي أوهم به القدماء، جاز على المحدثين، فقالوا بوجود مذهب نحوي أندلسي، إلاّ أنه من الظاهر أنّ القدماء ينظرون إلى المعيار الجغرافي، الذي لا يمنع من الاعتراف بوجود مذهب في كل بلد أنتج فكرا نحويا.
وعلى الرغم من اتخاذ المعيار الجغرافي أساسا للتقسيم، فإننا نرى عدم وجود خط محدد يسير عليه نحاة الأندلس، ولكننا يمكن أنْ نُسجل أهم مميزات الدرس النحوي البصري عن الكوفي، مع اعترافنا أنّ هذه المميزات ليست قاطعة أو صادقة.
ومن بين الذين ذهبوا من المحدثين إلى وجود مذهب نحوي أندلسي (آنخل جنثالث بالنثيا) ، حيث كتب فصلا عن المذهب الأندلسي [1] ، وأحمد أمين، الذي فعل الشيء نفسه [2] ، وأحمد حسن الزيات [3] ، وطه الراوي، الذي صنف النحاة، فجعلهم في أربعة مذاهب، هي: البصري، والكوفي، والبغدادي، والأندلسي، يقول:
(أنجبت الأندلس مجموعة من الأعلام، رجعوا إلى ما أصّله العراقيون، وما فرّعوه على اختلاف المذاهب، فأطالوا النظر فيه، ووقفوا على ما بين تلك المذاهب من خلاف ووفاق، وما يستند إليه كل فريق من رواية ودراية، فشقّوا لهم طريقا سويا، كان عمودهم فيه مذهب البصرية، لم ينحرفوا عنه، إلاّ عندما يجدونه منحرفا عن حكم الرواية، ومنهج الدراية) [4] .
وكذلك كان موقف محمد الطنطاوي، الذي اعتل لوجود مذهب أندلسي في النحو بمثل ما اعتل به طه الراوي، مع زيادات لا غناء فيها، كقوله:
(إنهم عدلوا عن بعض آراء المشارقة في النحو، وخالفوهم في منهاج تعليمه وتدوينه، واستدركوا عليهم مسائل فاتتهم، وبذلك استحدثوا مذهبا رابعا، عُرف بمذهب المغاربة أو الأندلسيين) [5] .
أمَّا شوقي ضيف، فيعقد فصلا خاصا بالمذهب الأندلسي، ويُصنف نحاة الأندلس إلى بصريين وكوفيين وبغداديين، فهم كما يقول:
(يخالطون جميع النحاة السابقين، وينتهجون نهج البغداديين، ويُضيفون إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين، من كثرة التعليلات، والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة) [6] .
(1) بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص 185 فما بعدها.
(2) ظهر الإسلام 3/ 91 فما بعدها.
(3) الزيات، تاريخ الأدب العربي، ص 310.
(4) الراوي، نظرات في اللغة والنحو، ص 10.
(5) الطنطاوي، نشأة النحو، وتاريخ أشهر النحاة، ص 189.
(6) شوقي ضيف، المدارس النحوية، ص 292 فما بعدها.