فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 369

ويعترف سعيد الأفغاني بوجود مذهب أندلسي، حيث يقول:

(عكف علماء الأندلس على كتب البصريين والكوفيين، فدرسوهما، واختاروا منهما، وتكوّن لهم مذهب خاص، كانوا فيه إلى مذهب البصريين أميل) [1] .

إلاّ أنّ سعيد الأفغاني ما لبث أنْ شكك بوجود مذهب نحوي أندلسي، فهو يرى أنّ ما وصل إلينا من كتب نحاة الأندلس، ليس فيه ما يمكن معه إطلاق مصطلح مذهب نحوي على نحاة الأندلس، فإذا ما وصل إلينا كتب نحو أندلسية، فيها خصائص المذهب، فسنقول بذلك [2] .

ومن الباحثين المحدثين المؤيدين لفكرة وجود مذهب أندلسي، كل من: خديجة الحديثي [3] ، ومهدي المخزومي [4] ، وأمين السيد [5] ، وعبد القادر الهيتي [6] ، وغيرهم.

وهكذا نرى أنّ الدارسين المحدثين، الذين يقولون بوجود مذهب نحوي أندلسي، مجمعون على أنّ المذهب البصري، كان عمود الأندلسيين في الطريق التي شقّوها في دراستهم اللغة والنحو، فأي مزية بقيت للدرس النحوي في الأندلس، إذا كان عمودهم مذهب البصريين؟ ثم إنّ الخصائص التي ذكروها للمذهب الأندلسي، لا تصلح أنْ تكون أساسا مذهبيا، أو سمة أسلوبية لمذهب نحوي، وكل ما ذكروه لتعزيز أقوالهم إنما هو محض افتراض، يفتقر إلى الشواهد أو الدلائل، فأين يقف مذهب النحو الأندلسي إذا كان قدماء النحاة فيه كوفيين أو بصريين، والمتأخرون منهم بغداديين، أو سائرين في الاتجاه البغدادي؟ وما الجديد في اختيارهم من آراء البغداديين؟ وهل يعني ذلك أنهم يُضيفون إلى الاتجاه البغدادي ما ليس فيه؟

والحق الذي نراه أقرب للصواب، أنّ المذاهب النحوية في تاريخ العربية اثنان [7] : المذهب البصري، والمذهب الكوفي، اللذان واكبا تطور الدراسة النحوية، وكان القرن الثاني الهجري مجلى الصراع بينهما، فما أنْ حلّ القرن الثالث الهجري؛ حتى ظهرت بوادر اتجاه جديد، اشتُهر في بغداد، فأطلق عليه بعضهم المذهب البغدادي؛ جريا على العادة والتسليم

(1) الأفغاني، من تاريخ النحو، ص 97، وفي أصول النحو، ص 261.

(2) الأفغاني، من تاريخ النحو، ص 96.

(3) خديجة الحديثي، أبو حيان النحوي، ص 312.

(4) مهدي المخزومي، مدرسة الكوفة، ص 94 فما بعدها.

(5) أمين السيد، الاتجاهات النحوية في الأندلس، ص 224 فما بعدها.

(6) عبد القادر الهيتي، خصائص مذهب الأندلس النحوي، ص 54 فما بعدها.

(7) يوم أنْ نوقشت هذه الأطروحة قلنا: إنّ المذاهب النحوية في تاريخ العربية ثلاثة، فذكرنا البصري والكوفي والبغدادي، والآن نتراجع عما قلناه، لان البغدادي في رأينا إنما هو اتجاه سلكه البصريون في القرن الثالث الهجري، وإن صح التعبير فهو من التطور الذي طرأ على المذهب البصري، وإن كنا سنذكر البغداديين فيما سيأتي، وإن كان وصف منهجهم بأنه اتجاه، وليس مذهبا قائما بذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت