فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 369

للقراءات، بل الأولى تفسير هذه القراءات على أساس لهجي، فهي مظهر من مظاهر اللهجات، التي كانت منتشرة في الجزيرة، وذاب بعضها في اللغة العامة، وبعضها ظل محتفظا بطابعه، ويتضح ذلك فيما بقي من اللهجات، التي تُمثلها لنا هذه القراءات، يضاف إلى ذلك أنّ القراءة سُنَّة مُتَّبَعة، محفوفة بالسند إلى النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ حتى ما شذّ منها، فكان أولى بالبصريين أنْ يأخذوا بالقراءات، ولعله وقر في أذهانهم أنها لهجات ـ وكثير منها كذلك ـ واللهجات لم يُقعِّدوا لها، وهذه حقيقة، إلاّ أنه يجب التأكيد أنّ كل ما ورد أنه قُرِئ به، جاز الاحتجاج به في العربية، سواء كان متواترا، أم آحادا، أم شاذا [1] .

ومما يؤيد الاحتجاج بالقراءات أنّ الكثير منها ورد على أنه لغة من اللغات، وفي شرح التسهيل، لأبي حيان: كل ما كان لغة لقبيلة قِيْس عليه [2] .

وإذا تعارض ارتكاب شاذ ولغة ضعيفة، فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من الشاذ، وقد ذكر ابن عصفور ذلك [3] .

وكل ما يمكن أنْ يقال أنّ بعض الظواهر اللهجية أكثر من بعض، فهذه الظاهرة شائعة، وتلك قليلة الشيوع في النصوص التي نقلها لنا رواة اللغة.

أمَّا الكوفيون فقد تقبّل عدد كبير منهم هذه القراءات، ولسنا نعجب من موقفهم هذا، وهم مَن عُرف عنهم التساهل في أخذ اللغة والقواعد النحوية، فقد كانوا يأخذون بأدنى دليل يسمعونه؛ حتى صحّ عندهم، فكيف إذا كان الدليل من القرآن الكريم، ثم لا يجب أنْ يغيب عن أذهاننا أنّ الكوفة كانت أكبر مدرسة لإقراء القرآن الكريم، ومن علمائها ثلاثة من القراء السبعة، لذا قبل عدد كبير منهم كل ما جاء من القراءات القرآنية، متواترها وآحادها وشاذها؛ مؤثرين في أحيان كثيرة عدم التأويل والتخريج، والأخذ بظاهر الآيات.

لقد كان الكوفيون أكثر من البصريين استدلالا بالقراءات القرآنية، فهم يؤمنون أنّ القرآن الكريم جاء بلغات مختلفة فصيحة، فهو أحق بالقبول، وأجدر بالأخذ حينما تُبنى قاعدة، أو يُقرر حكم، أو يُصحح أسلوب، لذا فأكثرهم يعتدون بالقراءات، ويبنون قواعدهم عليها، ويعقدون على ما جاء فيها كثيرا من أصولهم وأحكامهم، وهم حين يُرجحون القراءات، التي يُجمع القرّاء عليها، لا يرفضون غيرها، أو يُغلِّطونها، لأنها صواب عندهم، كما أنّ

(1) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 14 فما بعدها.

(2) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 78.

(3) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت