فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 369

القراءات المختلفة؛ حتى الشاذ منها من مصادر دراستهم [1] ، فهي في نظرهم أولى من بيت من الشعر لم يُعرف قائله، أو قول قد يصح أو لا يصح.

وإقرارا للحق، وإحقاقا للحقيقة، فإننا نرى ـ من غير ما تعصب ـ أنّ السلامة في المنهج، والسداد في المنطق العلمي التاريخي، يقضيان بأن يُحتج للنحو ومذاهبه وشواهده بهذه القراءات المتواترة، لِما توافر فيها من الضبط والدقة، والوثوق والتحري، وهو شيء لم يتوافر بعضه لأوثق شواهد النحو، وأنّ رفض القراءات موقف يأباه العقل، ويرفضه المنطق، إذ لا يسوغ ـ بالفعل ـ أنْ نرفض قراءة متواترة، أو غير متواترة، ونأخذ ببيت من الشعر لم يُعرف قائله، أو نتلمس ما نراه تحليلا، أو تعليلا، أو قياسا نتكلفه ونتمحله، في حين أنّ الأجدر والأولى بالتأييد والاستدلال به، تلك القراءات التي لا يمكن أنْ تصل بأي شكل من الأشكال إلى صفة الانتحال، أو الوضع، أو الصنع، فهي إنْ لم تكن متواترة عن الرسول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهي على الأقل قراءة صحابي، قرأ بها في عصر الاستشهاد.

وإني لأعجب كيف انقلبت الموازين، فقد نشأ النحو لخدمة النص القرآني، ولعصمة اللسان من الخطأ في التلاوة، فكيف تحوّل في نهاية الدرس؛ ليكون علّة الفوضى والاضطراب والتخطئة، ولعل هذا ما دفع ابن المنير الإسكندري إلى القول: يجب ألاّ تصحح القراءة بقواعد العربية، با تصحح قواعد العربية بالقراءة [2] .

وخلاصة القول في هذه القضية أنَ النحاة لم يقفوا موقفا موحدا من القراءات، ومسألة الأخذ بها، بل كانوا في ذلك على اتجاهات ثلاثة:

ـ اتجاه الأخذ بالقراءات، والاستدلال بها، دونما حرج أو حذر.

ـ اتجاه معارضتها ورفضها وتخطئتها.

ـ اتجاه وسط بين هذا وذاك، أي أخذ بحذر، واستدلال بتخريج وتأويل.

وعن حقيقة موقف ابن عصفور من القرآن الكريم وقراءاته المتعددة، فإنه يبدي اهتماما واضحا بآيات الذكر الحكيم، ويحرص ـ في الغالب ـ أنْ يكون استشهاده بها تعبيرا عن القيمة العظيمة، التي يُمثلها القرآن الكريم، في فصاحته، وسمو لغته، والشواهد القرآنية نلقاها مبثوثة في تضاعيف كتبه بكثرة كاثرة.

أمَّا موقفه من القراءات، فيتلخص في المواقف التالية:

(1) أحمد مختار عمر، البحث اللغوي عند العرب، ص 10.

(2) ابن المنير، الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، هامش 2/ 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت