فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 369

وكذا فعل مَن جاء بعدهم من النحاة، فما أنْ نصل إلى القرنين السادس والسابع الهجريين؛ حتى يُشيع السهيلي (ت:581 هـ) ، وابن خروف (ت:609 هـ) ، وابن مالك (ت:672 هـ) فيمن جاء بعدهم عادة لم يكن عليها المتقدمون من الاستشهاد بالحديث، فأكثروا منه كثرة نبّهت ابن الضائع (ت:680 هـ) ، وأبا حيان (ت:745 هـ) إلى البحث عن سبب عدم اعتماد النحاة عليه، ولاسيما واضعو قواعد النحو والصرف وأصولهما من شيوخ المذهبين الاعتماد اللائق به، في بناء قواعد هذين العِلْمين.

لقد اهتم الباحثون بهذا الموضوع منذ زمن ابن الضائع وأبي حيان، حيث نسبا إلى الأوائل ترك الاحتجاج بالحديث، وحاولا أنْ يوجدا تعليلا لما اعتقداه من موقف الأوائل منه، فرأى أبو حيان أنّ الأحاديث لم تُنقل كما سُمعت من النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما رويت بالمعنى، هذا فضلا عن أنّ أئمة النحو المتقدمين من المِصْرَيْن لم يحتجوا بشيء منه [1] ؛ لوقوع اللحن فيما روي من الحديث، لأنّ كثيرا من الرواة كانوا غير عرب [2] ، واشتُهِر هذان التعليلان بين النحاة والباحثين المتأخرين، وعرض لهما معظم الذين جاءوا بعد أبي حيان، بين مؤيِّد له، وراد عليه.

أمَّا المحدثون من الباحثين فإننا لا نجد لهم كتابا يبحث في موضوع نحوي، أو في شخصية نحوية لا يعرض لمسألة الاحتجاج بالحديث، ويناقش تعليلي أبي حيان.

لقد وقع الخلاف في هذا الموضوع عند المحدثين، وما زال الأمر فيه يقبل الجدل إلى اليوم، ونُحب أنْ نُشير إلى أمرين؛ غاية في الأهمية:

الأوََّل: هو أنّ النقل بالمعنى وقع في الصدر الأول، قبل تدوين الحديث، وقبل فساد اللغة، حين كان الرواة، الذين يتصرفون في ألفاظ الحديث ـ على تقدير تصرفهم ـ ممن يوثق بهم، ويحتج في أحكام الألفاظ بعباراتهم، يُضاف إلى ذلك أنّ عدم ذكر الأوائل للحديث، لا يعني عدم صحة الاستدلال به، ولعل منشأ تلك الفكرة الخاطئة، هو أنّ القدماء لم ينصوا على الاستشهاد بالحديث، واكتفوا بدخوله تحت المعنى العام لعبارة النصوص الأدبية القديمة، وكلام العرب، فقد رأينا سيبويه يحتج بالحديث، ولا يُصرح بذلك.

والأمر الثاني: هو أنّ رفض أبي حيان للاحتجاج بالحديث، لم يكن رفضا مطلقا، وإنما كان رفضه للحديث، الذي لم يثبت أنه مروي عن العرب الفصحاء، أو الذي لم يثبت أنه مروي بلفظه؛ لمجيئه على أكثر من رواية، أمَّا الأحاديث التي صحّ نقلها، وثبت لفظها

(1) خزانة الأدب 1/ 5.

(2) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت