، فإنه لا يمنع من الاحتجاج بها، فقد احتج هو نفسه بأحاديث، بنى عليها آراء واستعمالات، لم يسبق أنْ قال بها أحد قبله [1] ، وربما احتج بكلام آل البيت والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وفق الشروط التي رآها في الحديث النبوي الشريف [2] .
أمَّا أنّ أبا حيان لم يستشهد بالحديث، فهذه مقولة خاطئة، نقلها الخلف عن السلف دون ما تمحيص؛ ثقة منهم في حكم السابقين، أو تخففا من عناء البحث، وركونا إلى الراحة، والتماسا لأيسر السبل.
وعلى العموم فقد وقف النحاة من هذه القضية ثلاثة مواقف:
ـ الأول: منع الاستشهاد بالحديث، وإليه ذهب المتأخرون من البصريين والكوفيين، وأغلب المتأخرين من النحاة.
ـ الثاني: جواز الاستشهاد بالحديث، وبه قال السهيلي، وابن خروف، وابن مالك، والرضي الاسترباذي، وابن هشام، وطائفة من المتأخرين.
ـ الثالث: فريق وقف موقفا وسطا، يستدل بالحديث الذي ثبت أنه قيل على اللفظ المروي، وما عُرِف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص، كالأحاديث التي قُصِد بها بيان فصاحته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وممن ذهب إلى هذا الشاطبي، والسيوطي من المتأخرين [3] .
أمَّا ابن عصفور فقد كان من بين أولئك الذين لم يرفضوا الاستشهاد بالحديث، وجاءت الأحاديث النبوية مبثوثة ـ على قلتها ـ في تضاعيف كتبه، وقد بلغ مجموع الأحاديث التي استشهد بها ابن عصفور في كتبه التي وصلت إلينا تسعة وعشرين حديثا، ويتلخص موقفه من الاستشهاد بالحديث في المواقف التالية:
ـ الأحاديث التي استدلّ بها لتأييد قاعدة، أو قياس مطرد، وقد بلغت هذه الأحاديث (12) حديثا، تضمنتها القضايا النحوية التالية:
ـ إتيان بات بمعنى صار: استشهد بالحديث {فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ} [4] .
أي: صارت يده [5] .
(1) موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث النبوي، ص 426.
(2) موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث النبوي، ص 427.
(3) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 16، وخزانة الأدب 1/ 6.
(4) صحيح البخاري ـ باب الاستجمار وترا، 1/ 52 (162) .
(5) شرح الجمل 1/ 417.