ـ مجيء اسم لا النافية للجنس معرفة: احتج ابن عصفور بقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: {قضيّةٌ ولا أبا الحَسَنِ} ، وكان سيبويه احتج به قبله [1] ، وتبع سيبويه على ذلك خلق كثير من النحاة، استشهدوا به في الموضع نفسه، والغرض إياه، يقول ابن عصفور؛ معللا ذلك: وأمَّا قولهم: {قضيّةٌ ولا أبا الحَسَنِ} ، وأمَّا البصرة فلا بصرة لكم، فعلى حذف مِثْل [2] .
إنّ الملاحظ من الأحاديث التي احتجّ بها ابن عصفور، أنّ بعضها مما احتج به السابقون، فعلّق عليها بمثل ما علّقوا به عليها، دون جديد، وبعضها الآخر وردت عنده، ولم يسبقه أحد إلى الاستشهاد بها ـ فيما نعلم ـ، وفي بعض الأحاديث لم يُصرِّح ابن عصفور أنها من أحاديث النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على الرغم من أنه يصرح بذلك في معظمها، يضاف إلى ذلك أنّ حديثا من الأحاديث التي استشهد بها كان من الأحاديث الموضوعة.
والواضح مما تقدم من الأحاديث أنّ ابن عصفور قد استدلّ بقسم كبير منها لتأييد قياس مطرد، أو قاعدة موافقة لمذهب البصريين، فهو يستأنس بالحديث الذي يأتي موافقا لقياس أصحابه البصريين، أمَّا الأحاديث التي تأتي مخالفة للقياس البصري، فهو إمَّا أنْ يتكلّف لها تأويلا وتوجيها، أو يقف عندها على أنها من المسموع الذي لا يُقاس عليه؛ لأنها في نظره لم تكثر كثرة توجب القياس، وربما رمى هذا المسموع بالشذوذ، إذا غاب عنه وجه الاستعمال، وقد يصف بعض هذه الأحاديث أنها من الضرورات.
وعلى العموم فإنّ الأحاديث التي احتجّ بها ابن عصفور قليلة، إذا ما قيس بغيره ممن استشهدوا بالحديث، فابن عصفور لم يقم باستقراء الحديث النبوي، كما لم يأتِ بحديث يردّ قاعدة موجودة، أو يقيم قاعدة جديدة، فليس من الصواب الدعوى أنّ ابن عصفور جوّز الاستشهاد بالحديث، في مسائل النحو والصرف، وإنْ كان أتى بثلاثة أحاديث لإثبات قاعدة موجودة، كما أنّ احتواء مصنفاته على جملة من الأحاديث، لا يجعلنا نزعم أنّّ ابن عصفور ممن جوّزوا الاستشهاد بالحديث.
(1) الكتاب 2/ 297.
(2) المقرب 1/ 189.