وفي باب النصب، يختار ما ذهب إليه سيبويه في نصب مثل (يد) ، ويرفض رأي الأخفش، فيقول [1] : والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، والدليل على ذلك السماع والقياس.
ولمعرفة ما يعنيه القياس عند ابن عصفور، علينا أنْ نقرر أنّ موقفه في قضية السماع يمثل امتدادا لموقف جمهور البصريين، فإذا اختلف لديه في مسألة مذهبان، أحدهما قياسي، والآخر سماعي، قدّم الثاني على الأوَّل [2] ، وإذا اختلف لديه في المسألة الواحدة قياسان، غلّب ما كان منهما نظير المسموع على ما لم يدعمه السماع [3] ، فإذا كان في المسألة مذهبان، أحدهما مقيس على الأكثر، وفيه حمل على شذوذ واحد، والآخر مقيس على الأقل، وفيه حمل على شذوذين أو أكثر، فإنّ الأوَّل هو الراجح؛ لأنه أقل شذوذا، وأكثر نظائر [4] ، وإذا تعارض في المسألة مذهبان قياسيان، أحدهما يعتمد الكثرة، والآخر يعتمد اللزوم، كان الترجيح لدى ابن عصفور للثاني؛ لأنه أقوى [5] .
والمعروف لدى البصريين أنّ القياس يجب أنْ يستند إلى ما اطرد وكثُر وشاع، والشواذ تُحفظ كما سًمعت، ولا يُقاس عليها، وهذا هو موقف ابن عصفور، فقد جمع ما شذ أو انفرد، وعقد له بابا خاصا [6] ، فإذا كثرت النظائر وشاعت، حَملتْ ابن عصفور على إدخالها في حدود القياس، وإنْ أنكرها بعض العلماء، أو حملوها على الشذوذ [7] ، أمَّا ما كانت نظائره قليلة جدا، فإنْ ابن عصفور يمنع القياس عليه [8] ، وإذا ما حاول بعض العلماء أنْ يوجّهوا شواذ الألفاظ، ليدخلوها في حدود الاطراد والقياس، فإنّ ابن عصفور يقف من هذه البادرة موقف الحذر، فلا يخرج بها عن أنها تخريج للشذوذ، ليس إلاّ [9] .
وقد يتسلسل القياس عند ابن عصفور، فيقيس فرع الفرع على مثله، فتاء القسم في (تالله) ليست أصلا، وإنما هي مبدلة، فإمَّا أنْ نقول إنها بدل من الباء، وإمَّا أنْ نقول إنها بدل من الواو، التي هي بدل من الباء، وهي في التوجيه الأوَّل فرع، وفي التوجيه الثاني فرع فرع [10] .
(1) شرح الجمل 2/ 411.
(2) الممتع في التصريف، ص 341، ابن عصفور والتصريف، ص 127.
(3) الممتع في التصريف، ص 223، الاقتراح، ص 78، ابن عصفور والتصريف، ص 128.
(4) الممتع في التصريف، ص 561، وانظر: ابن عصفور والتصريف، ص 128.
(5) الممتع في التصريف، ص 264، وانظر: ابن عصفور والتصريف، ص 129.
(6) الممتع في التصريف، ص 615.
(7) الممتع في التصريف، ص 322.
(8) الممتع في التصريف، ص 323.
(9) الممتع في التصريف، ص 472، وانظر: ابن عصفور والتصريف، ص 313.
(10) الممتع في التصريف، ص 350.