إلاّ أنّ ابن عصفور يمنع القياس؛ مخالفا المبرد، ويقصره على السماع، وهو في هذا متابع لسيبويه، الذي قصره على السماع [1] ، ومثل هذا الموقف المتشدد أيضا نجده في باب الضرائر.
إنّ موقف ابن عصفور هذا، لا يمكن بحال من الأحوال أنْ نفصله عن موقف جمهور البصريين، الذين لم يُحددوا المقصود بكثرة الشواهد، التي اشترطوها لصحة القياس، ولا وضعوا قياسا للفصل بين ما هو سماعي، وما هو قياسي، بل لقد وضعوا كل ما ورد عن العرب شاذا، أو جاء على لغة قبيلة منهم، أو ألجأت إليه الضرورة، في منزلة واحدة، وهي المنزلة التي لا يصح القياس عليها، ويوقف عندها على السماع فقط، ولو كان هذا المسموع كثيرا كثرة توجب القياس عليه.
لقد كان من جراء تشدد ابن عصفور في استخدام الأقيسة، وإفراطه في قبول الشاهد النحوي، أنْ وجد نفسه أمام شواهد فصيحة، تخالف القياس أو القاعدة التي استنبطها، وهنا وجد نفسه مضطرا إلى تأويلها، وإخراجها عن ظاهرها؛ لتنسجم مع قواعده، فهو يسلك في تأويلها وتخريجها مسالك شتى، لا تكاد تخفي ما وراءها من التمحل والتكلف، الذي يُخرج الكلام على غير ما قصد إليه قائله.
ومن جهة أخرى فإنه لا بدّ من القول أنّ تعصب ابن عصفور لسيبويه، يدفعه أحيانا لقبول القياس، ولو كان هذا القياس مبنيا على مثال أو مثالين، فنراه يوافق سيبويه على إعمال (فَعِل) و (فعيل) عمل فعلهما، مع أنّ سيبويه لم يستشهد لهذا بغير شاهدين من الشعر [2] ، أنكر المازني صحة الأول منهما، وتأوّل الثاني [3] ، إلاّ أنّ ابن عصفور يردّ على المازني والمبرد بسماع سيبويه، على الرغم من أنّ هذا السماع لم يتجاوز شاهدين اثنين فقط [4] .
وفي باب معرفة علامات الإعراب يورد ابن عصفور المذاهب المختلفة، ويردّ جميع هذه المذاهب؛ مبقيا على المذهب الذي يرى أنها معربة بالحركات المقدرة في الحروف، وهو مذهب سيبويه وجمهور البصريين [5] ، فيقول [6] : (وهو الصحيح؛ قياسا على نظائرها من الأسماء المفردة) ، ويحتجّ لهذا الاختيار؛ رادًا كل ما يمكن أنْ يُثار من اعتراضات عليه.
(1) في (طلع زيد بغتة) ذهب بعض النحاة، ومنهم الأخفش إلى أنّّ بغتة منصوب على المصدرية، والعامل فيه محذوف، والتقدير: طلع زيد يبغت بغتة، فيبغت عندهم هو الحال، لا بغتة، وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على المصدرية، والناصب له عندهم هو الفعل المذكور، وهو طلع، لتأويله بفعل من لفظ المصدر، والتقدير في قولك: زيد طلع بغتة، زيد بغت بغتة، فيؤولون طلع ببغت، وينصبون به بغتة. شرح ابن عقيل 1/ 632.
(2) الكتاب 1/ 113 ــ 114.
(3) المقتضب 2/ 115.
(4) شرح الجمل 1/ 562.
(5) الكتاب 1/ 18، والمقتضب 2/ 154.
(6) شرح الجمل 1/ 122.