يتضح من هذا المثال وغيره أنّ مفهوم الشذوذ عند ابن عصفور لا يخضع إلاّ للقياس البصري العام، فما وافقه فهو مطرد، وما لم يوافقه فهو شاذ، أو نادر؛ حتى لو كان هذا الشاذ أمثلة متعددة كما رأينا.
ويظل مفهوم الكثرة عند ابن عصفور والبصريين غير محدد، فقد رأينا في المثال السابق أنّ الكوفيين جاءوا بأربعة أبيات من الشعر الفصيح، وشاهدين من القرآن الكريم، لتكون شواهد على استعمال مِن الجارّة لابتداء الغاية في الزمان، إلاّ أنّ ابن عصفور يرى أنّ ذلك قليل، لا يُقاس عليه، فما مراده بالكثرة؟
أهي الكثرة العددية بين أفراد القبيلة الواحدة، أم القبائل جمعاء؟ أهي الكثرة النسبية القائمة على الاستقراء التام والعدد، واستخراج النسبة؟ فإذا كان الأوَّل، فما حدّها؟ وإذا كانت الثانية، فما نسبة الكثير؟ وهل يمكن إجراء النسبة في كل ظاهرة لغوية؟ وهل يدعي البصريون أنهم قاموا باستخراج النسبة في أيّة قاعدة نحوية استخلصوها؟
ثم إنّ ابن عصفور يقول: لم يجئ من ذلك إلاّ هذا الذي ذكرنا، فهل أحصى ابن عصفور ما قاله العرب بهذا الخصوص؟
وإنّ نظرة واحدة في كتاب مغني اللبيب، ترينا أنّ هناك شواهد أخرى على إتيان (مِن) لابتداء الغاية الزمانية، غير تلك التي ذكرها ابن عصفور، ومنها بيت من الشعر للنابغة الذبياني [1] .
وفي باب ما يُنصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره، نجد مثالا آخر لهذا الموقف المتشدد في القياس، ففي هذا المثال ينقل ابن عصفور مجموعة من الأمثلة لوقوع المصدر النكرة حالا، ومعروف أنّ وقوع المصدر المنكر حالا كثير في كلام العرب، وقد عقد له سيبويه بابا قال فيه: (هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال) [2] ، إلاّ أنّ سيبويه قصر ذلك على السماع، أمَّا المبرد فكلامه صريح في أنّ المصدر المنكر يقع بقياس حالا [3] ، ولكثرة ذلك في كلام العرب، فإنّ ابن مالك يقول [4] :
وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حَالًا يَقَعْ ... بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ
(1) مغني اللبيب، ص 420.
(2) الكتاب 1/ 370.
(3) المقتضب 2/ 234، 268، 2/ 312.
(4) شرح ابن عقيل 1/ 631.