ومن قبيل ذلك أنّ ابن عصفور يعرض للأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، ثم يقول [1] : وزاد بعض البغداديين في هذا الباب (ماوني) ، لأنّ معناها كمعنى ما زال، وذلك: ما وني زيد قائما، أي ما فتر عن القيام، ولذلك ألحقها بها، وهذا لا يلزم، لأنّ الفعل قد يكون بمعنى فعل آخر، ولا يكون حكمه كحكمه، ألا ترى أنّ ظلّ زيد قائما معناه أقام زيد قائما النهار كله، ولا تجعل العرب لأقام اسما وخبرا، كما فعلت ذلك بظل، ومما يدل على أنها ليست من أخوات كان، أنه لا يُقال: ما وني زيد القائم، فالتزام التنكير في قائم وأمثاله دليل على انتصابه على الحال.
بل إنه ليُغرق أحيانا في إخفاء أسماء مَن خرجوا على الجمهور، فيصوغ مذهبهم وتوجيهاتهم في شكل اعتراضات وتساؤلات، ويبسطها بعد أنْ يقدم لها بقوله: فإنْ قال قائل، أو فإنْ قيل، أو فإنْ قلتَ، ثم يتناولها بالتخريج والنقد، وقد كثرت هذه الصورة، وازدحمت في مؤلفات ابن عصفور، لتشكل معلما بارزا في حجاجه واستدلاله [2] ، وإنْ لم يكن رائدا في ذلك.
ومن قبيل اهتمام ابن عصفور برأي الجمهور احتجاجه بقول الأكثرية، فقد اختلف النحويون في كان من حيث الانقطاع وعدمه، فأكثرهم على أنها تقتضي الانقطاع، فإنْ قلت: كان زيد قائما، فإنّ قيام زيد كان فيما مضى، وليس الآن بقائم، وهذا هو الصحيح عند ابن عصفور، بدليل أنّ العرب قد تعجبت من صفة موجودة في المتعجب منه في الحال، قالت: ما أحسنَ زيدا، فإذا قلتَ: ما كان أحسنَ زيدا، كان التعجب من الحسن فيما مضى، وهو الآن ليس كذلك [3] .
وعلى الرغم من هذا الموقف، فإننا نجد ابن عصفور قد خالف أكثر النحويين في تعريف الاشتقاق الأصغر، فقد ذهب النحاة إلى أنّ الاشتقاق الأصغر هو: إنشاء فرع من أصل يدل عليه، ولكنّ ابن عصفور رأى أنّ هذا التعريف ليس بعام للاشتقاق الأصغر، إذ ربما جعل مشتقا من آخر، دون أنْ يكون أحدهما مُنشأً من الآخر، وذلك إنْ كان تركيب الكلمتين واحدا، ومعنياهما متقاربين [4] .
(1) شرح الجمل 1/ 376.
(2) انظر: ابن عصفور والتصريف، ص 136 ــ 137.
(3) شرح الجمل 1/ 412.
(4) الممتع في التصريف، ص 41.