ويعلل ابن عصفور حذف التنوين من العلم الموصوف بابن؛ مضافا إلى علم بمجموع أمرين، هما: كثرة الاستعمال، والتقاء الساكنين، على حين يعلل النحاة ذلك بكثرة الاستعمال فقط، وهذا ما جعل البهاء بن النحاس (ت: 698 هـ) في التعليقة على المقرب يقول بوجود قسم ثالث إلى جوار العلة البسيطة، والعلة المركبة، وأطلق على هذا القسم اسم العلة الموصوفة، وهي التي يكون التعليل فيها ليس بسيطا، لأنّ الأمر الذي يعلل به يُضاف إليه وصف، وليس مركبا، لأنّ الوصف الزائد لو أسقط لم يقدح فيه، وقد دفعه إلى هذا القول نقده كلام ابن عصفور في علة حذف التنوين من العلم الموصوف بابن؛ مضافا إلى علم، فجعله ابن النحاس من قبيل العلة الموصوفة، وفسره السيوطي بأنّ التقاء الساكنين وصف في العلة، وبنى عليه حكما بأنه قد يُزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط، بحيث لو سقطت، لم يُقدح فيها، فتابع ابن النحاس بقوله بوجود قسم ثالث، وهو قول واضح البطلان [1] .
ويعلل إبدال الهمزة من الألف على غير قياس، إذا كان بعدها ساكن؛ فرارا من اجتماع ساكنين [2] ، وبمثل ذلك يعلل إبدال الهمزة من الألف الزائدة، إذا وقعت بعد ألف الجمع في نحو رسائل، في جمع رسالة [3] .
أمَّا حذف الواو في مضارع وَعَدَ و وَزَنَ، فيعلله بوقوعها بين ياء وكسرة، وهما ثقيلتان، فلمّا أضيف ذلك إلى ثِقل الواو، وجب الحذف [4] .
وأمثال هذه التعليلات نجدها بكثرة عند ابن عصفور، وهي كما قلنا، تُشكل سمة بارزة من سمات منهجه النحوي، كما أنها تعكس أثر المنطق العقلي على النحو العربي.
هذه هي أبرز أصول ابن عصفور النحوية، التي تُشكل ملامح يمكن أنْ نلمسها عند دراستنا لمصنفات ابن عصفور، كما تُشكل في مجملها الأسس التي يقوم عليها منهجه النحوي بصفته واحدا من أبرز دعاة المذهب البصري، المتعصبين له في المغرب والأندلس، فهو يوازن، ويقيس، ويذكر ويعد، ويستفتي الذوق، ويستشهد الشواهد، ويلتمس العلل، ويروي القراءات، وأقوال العلماء ' إمّا لمجرد التقصي والاستيعاب، وإمَّا للمناقشة والنقض وإعلان الرأي، وربما طاب له الحديث، وأغراه البحث، فمضى ممعنا متدفقا، يستكثر من الأمثلة والنصوص؛ حتى تنقطع، أو يدركك البهر، واللغة عنده دائما وحدة متماسكة، يُفسر بعضها بعضا، ويُقاس بعضها على بعض.
(1) الاقتراح، ص 52، علي أبو المكارم، أصول التفكير النحوي، ص 215 ــ 216.
(2) الممتع في التصريف، ص 320.
(3) الممتع في التصريف، ص 326.
(4) الممتع في التصريف، ص 426.