فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 369

والمواقف التي يؤيد بها ابن عصفور آراء سيبويه كثيرة جدا، يُتعِب حصرها [1] ، بل إنه في بعض الأحيان ينظر إلى آراء النحاة بعين سيبويه، فما وافق سيبويه فهو الصحيح عنده، وما خالفه فهو باطل أو فاسد، ومن هذا حذف علامة التأنيث من الفعل المسند إلى المفرد من ظاهر المؤنث الحقيقي، نحو قول جرير:

لقد وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سَوْءٍ، ... على بابِ اسْتِها صُلُبٌ وشامُ

فحذف التاء من الفعل ولد، فيرى المبرد أنه إنْ جاء شيء من ذلك في سعة الكلام، كان شاذا، يُحفظ ولا يُقاس عليه، وسواء في ذلك أنْ يُفصل بين الاسم والفعل، أو لا يُفصل، وذهب أبو موسى الجزولي إلى إجازة حذف علامة التأنيث، إلاّ أنّ حذفها عنده من غير فصل، ليس بكثير، وذهب أبو القاسم الزمخشري إلى منع حذفها في الكلام، إذا عُدِم الفصل، وأجاز الحذف مع الفصل، إلاّ أنّ جوازه ليس بالواسع عنده، وذهب أبو جعفر النحاس إلى أنّ ذلك لا يجوز في نحو قولك: قامت هند، لئلا يلتبس المذكر بالمؤنث، إذ قد يُسمى المذكر باسم المؤنث، وأجازه في قوله: جاءتني امرأة، وأمثاله، لأنه قد عُرف المعنى، ففرق بين العلم وغيره.

فيرى ابن عصفور أنّ الصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه المبرد، وحجته في ذلك أن سيبويه ذكر أنّ ذلك في الواحد من الحيوان قليل، ثم قال: وهو في الآدميين أقل [2] .

ولا يعني هذا وأمثاله أنّ ابن عصفور لم يُخالف سيبويه البتة، فقد كان ابن عصفور يحشد السبل والحجج كافة؛ لتصحيح مذهب سيبويه، فإذا ما أعجزته الحيلة، وأخفق في إيجاد المسوغات، أقرّ بقصور سيبويه، وذلك قليل، ومنه أنّ سيبويه ذهب إلى أنّ المبتدأ هو الرافع للخبر، ويرى ابن عصفور أنّ ذلك باطل عنده [3] ، كما حكى سيبويه الخفض على توهم الباء في باب (ما العاملة عمل ليس) ، في مثل قولك: ما زيد قائما ولا قاعدٍ، فيقول ابن عصفور: وذلك قبيح [4] .

إلاّ أنّ هذه المخالفة لا تُخرج ابن عصفور من دائرة المذهب البصري، كما لم تُخرج المبرد من قبله من هذه الدائرة مخالفته لسيبويه.

(1) شرح الجمل 1/ 459، 535، 556 على سبيل المثال.

(2) ضرائر الشعر، ص 277 ــ 279.

(3) شرح الجمل 1/ 357.

(4) شرح الجمل 1/ 596.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت