هذا موقف ابن عصفور من البصريين بصورة عامة، أمَّا موقفه من سيبويه، فقد كان يجله ويكبره، ويتعبد أقواله ومذاهبه.
لقد اعتمد ابن عصفور على كتاب سيبويه كثيرا؛ حتى لا تكاد تخلو صفحة واحدة من كتابه شرح الجمل من ذكره، ودون ذلك استشهاده بسيبويه في كتبه الأخرى، ولا يكتفي ابن عصفور بذكر آراء سيبويه، بل نراه يُعلل هذه الآراء، التي اختارها له، وسنذكر فيما يلي بعض الأمثلة:
في إعمال) فَعِل) و (فَعِيْل) عمل اسم الفاعل خلاف، فمذهب سيبويه إعمالهما، ومذهب المبرد أنه لا يجوز ذلك، وسيبويه في نظر ابن عصفور لم يقل ذلك إلاّ بعد ورود السماع بإعمالهما، ويذكر شاهدا لإعمال فعيل، وشاهدين لإعمال فَعِل، وإعمالها عند سيبويه، ومَن أخذ بمذهبه قليل، وهو في فَعِل أقل منه فعيل بكثير، وأمَّا المبرد فلم ير في هذا الذي استدل به سيبويه دليلا، أمَّا قوله [1] :
حذِرٌ أمورًا لا تَضِير وآمِنٌ ... ما لَيْسَ مُنجِيَهُ مِنَ الأقدارِ
فزعم المازني أنما خبره أبو يحيى اللاحقي أنه سأل سيبويه: هل تحفظ بيتا في إعمال فَعِل، فوضع له هذا البيت، قال ـ يعني المبرد ـ فالبيت مصنوع، فيقول ابن عصفور [2] :
وهذا الذي ذكره أبو العباس المبرد لا يُلتفت إليه، لأنّ سيبويه ذكر البيت، ولم يذكر أنّ اللاحقي هو الذي أنشده، وسيبويه ـ رحمه الله ـ أحفظ لِما يرويه من أنْ ينقله عن غير ثقة، فلا يُطعن في روايته بقول مَن أقرّ على نفسه بالكذب.
ويحتج برأي سيبويه على الفارسي، الذي قال: إنّ ليس حرف، فيقول ابن عصفور: إنها فعل، وهو مذهب سيبويه، وقد نصّ على ذلك في مواضع من كتابه [3] .
وفي باب الاشتغال يرد مذهب أبي سعيد السيرافي في جملة الاشتغال، إذا كانت معطوفة على جملة صغرى، حيث يرى السيرافي أنه لا بدّ في الجملة من ضمير يعود على المبتدأ بقوله: إذ لو كان هذا لنبّه عليه سيبويه [4] .
(1) الشاهد غير منسوب، أنظر شرح أبيات سيبويه، لابن النحاس، ص 90. وقال البطليوسي في كتاب الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل، ص 219: هذا البيت: مصنوع ليس بعربي، واختلف في صانعه: فزعم قوم أنه لابن المقفع، وحكى المازني قال: أخبرني أبو يحيى اللاحقي، قال: سألني سيبويه عن فعل أيتعدى؟ فوضعت له هذا البيت، ولأجل هذا رد هذا البيت على سيبويه!
(2) شرح الجمل 1/ 562.
(3) شرح الجمل 1/ 379.
(4) شرح الجمل 1/ 368.