يكون عند الآخر مقيسا، والتفرّد عند البصريين، قد يكون عند الكوفيين مطردا، ثم يعود عند البغداديين مختلفا.
إنّ آراء ابن عصفور، التي تفرّد فيها، لم تقف عند حد مُعيّن، فقد سار في ركب التطور النحوي، معتمدا على قياس ثابت، ولكنه قد يختلف من مكان إلى آخر، وتفرّدُ ابن عصفور، يؤدي في النهاية إلى التوسع في مجال الاستعمال اللغوي، كما يدعو إلى معاودة الأصول، والتنبيه عليها، ومن ثم التخفيف بدواعي كثرة الاستعمال.
إنّ تفرّد ابن عصفور لا يعني بحال الاعتماد على غير الأصول المعروفة عند علماء المذهب البصري، ولا يعني أنه لم يتخذ المنهج البصري إماما له، ولكنه كالذي نسميه في الفقه اجتهاد مذهب، لا اجتهادا مطلقا.
إنّ الكتب التي ذكرناها وغيرها، قد نقلت إلينا طائفة صالحة من هذه الآراء والمسائل، وسنذكر قسما من هذه الآراء؛ مرتبة ترتيبا يتفق وترتيب ابن عصفور لمسائل النحو في كتاب المقرّب، لِما امتاز به هذا الكتاب من جودة في الترتيب والتبويب.
ـ الأفعال كلها مُذكَّرة: قال ابن عصفور [1] : الدليل على أنّ الأفعال كلها مذكرة أنها إذا أُخبِر بها عن الأسماء فإنما المقصود الإخبار بما تضمنته من الحدث، وهو المصدر، والمصدر مُذكّر، فذلّ ذلك على أنها مذكرة، إذ اللفظ حسب ما يُراد به من تذكير أو تأنيث.
ـ فاعل نِعْم: يرى ابن عصفور أنّ إضافة فاعل نعم أو بئس إلى نكرة قليل جدا، ومنه قول الشاعر [2] :
فنعمَ صاحبُ قومٍ لا سِلاحَ لهم ... وصاحبُ الركْنِ عثمانُ بنِ عفانا [3] .
ـ دخول (مِن) على تمييز نعم شاذ: قال ابن عصفور [4] : لا يجوز دخول مِن على تمييز نعم، إلاّ في شذوذ من الكلام، أو في ضرورة، نحو قوله [5] :
تخيّره ولم يعدلْ سِواه ... فنعم المرءُ مِن رجلٍ تهامي
ـ تقديم معمول فعل التعجب: قال ابن عصفور [6] : لا يجوز تقديم معمول فعل التعجب عليه، لأنه لا يتصرّف، فلم يتصرف لذلك في معموله، وسواء كان المعمول ظرفا أو مجرورا، أو غير
(1) السيوطي، الأشباه والنظائر 1/ 86.
(2) اختلف العلماء في نسبة هذا البيت، فقيل: إنه لكثير بن عبد الله النهشلي، وقيل هو لحسان بن ثابت، على الرغم أنه غير موجود في ديوانيهما. لنظر: شرح المفصل 7/ 131.
(3) المقرب 1/ 66.
(4) المقرب 1/ 69.
(5) البيت من شواهد ابن هشام في أوضح المسالك 2/ 369، وقد اختلف في نسبته، فمنهم من نسبه إلى أبي بكر بن الأسود الليثي، ومنهم من نسبه لبجير بن عبد الله بن سلمة الخير.
(6) المقرب 1/ 76.