فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 369

أمَّا اللاتينية الفصحى، فكانت تستعمل في أمور الدين وشئونه، وأمَّا العربية الفصحى ـ كلغة أدبية ـ فلم تكن خاصة بالعرب وحدهم، بل كان الإسبان الأندلسيون يستخدمونها أيضا، أمَّا العربية واللاتينية العاميتان فقد كانتا تستعملان معا، ليس بين نصارى إسبانيا الإسلامية فحب، بل بين المسلمين الأندلسيين كذلك.

ولا بدّ أنّ حركة الاستعراب كانت قوية، وبخاصة بين الأجيال الناشئة، وهذا ما نفهمه من صرخة الفارو حين قال: إنّ إخواني المسيحيين يستمتعون بقصائد العرب وحكاياتهم، فهم يدرسون مؤلفات علماء الكلام، والفلاسفة المسلمين، لا لينقضوها، وإنما ليحوزوا أسلوبا عربيا صحيحا ناصعا [1] .

فكان نتاج هذه الثورة المعرفية، التي اجتاحت مدن الأندلس، أنْ تخرّج عدد من المعلمين، الذين نهضوا بمهمة التدريس، في العديد من حواضر الأندلس، وإنْ استحوذت قرطبة على نصيب الأسد من هؤلاء المعلمين [2] ، وقد عُرِف هؤلاء في الأندلس باسم المؤدبين، وكانت لفظة مؤدِّب في المشرق تنصرف إلى أولئك النفر، الذين يُعلمون أبناء الخواص، أمَّا في الأندلس، فقد شملت أبناء الخاصة وأبناء العامة معا [3] ، وكانت حلقات التدريس العامة تُعقد في المساجد، أمَّا الخواص، فكان المؤدبون يذهبون إليهم حيث هم.

وهكذا أصبح العِلْم حِرفة يكسب المعلِّم منها رزقه، وكانت المادة العلمية، التي يتلقّاها الطلاب مزيجا من الحديث، والفقه، والأخبار، والشِعر، أمَّا بخصوص النحو واللغة، فإنّ الزبيدي يقول: (لم يكن عند مؤدبي العربية ولا عند غيرهم ممن عُني بالنحو كبير علم"بالعربية"حتى ورد محمد بن يحيى عليهم، وذلك أن المؤدبين إنما كانوا يعانون إقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شاكلها، وتقريب المعاني لهم في ذلك. ولم يأخذوا أنفسهم بعلم دقائق العربية وغوامضها والاعتلال لمسائلها، ثم كانوا لا ينظرون في إمالة ولا إدغام ولا تصريف ولا أبنية، ولا يجيبون في شيء منها، حتى نهج لهم سبيل النظر وأعلمهم بما عليه أهل هذا الشأن في المشرق) [4] .

ولسنا موقنين أنّ هذا الذي ذهب إليه الزبيدي ينطبق على جلّ المؤدبين، ولكنه ـ ولا شك ـ يقدم لنا فكرة واضحة، عما كان عليه أهل هذا الفن في الأندلس، فقد كان حملة اللغة والنحو في الأندلس تلاميذ لأشهر أعلام الطبقة الأولى من اللغويين والنحويين المشارقة، ولم

(1) الحركة اللغوية في الأندلس، ص 32.

(2) الحركة اللغوية في الأندلس، ص 47.

(3) الحركة اللغوية في الأندلس، ص 48.

(4) الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، ص 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت