فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 369

تتأخر الحركة اللغوية في الأندلس عن أختها في المشرق، ألاّ بحكم ظروف الفتح والاستيطان، وإنّ ما نلمسه من أسباب رحلة الأندلسيين إلى المشرق، يُدلل على أنّ بواكير الحركة اللغوية في الأندلس، كانت تعتمد اعتمادا كليا على المشرق، وبالمقابل فإنّ عددا من العلماء المشارقة، قد دخلوا الأندلس، ونظرة في كتاب ابن الفرضي [1] تُرينا أنّ أثر هؤلاء الداخلين، قبل الثلث الأول من القرن الرابع الهجري في الحياة اللغوية والنحوية في الأندلس ظلّ باهت اللون.

وأيا كان الأمر فإنّ هؤلاء الراحلين من أندلسيين ومشارقة، هم الذين حملوا على عاتقهم عبء تطوير الدراسات اللغوية والنحوية في الأندلس، لا بما جلبوه من علم مروي فحسب، بل بالكتب المهاجرة معهم، وستظل هجرة الكتاب المشرقي في تلك الأثناء، وما أعقبها من عصور سمة مميزة في تحديد الأطر، التي تسير فيها الحياة اللغوية الأندلسية، فهذه الكتب هي المنشط لحركة التأليف في الأندلس، وهي التي توجه تلك الحركة، وتُقرر نوع الكتب المتداولة بين أيدي الدارسين [2] ، غير أنّ بعض هذه الكتب تُقُبِّل بأكثر مما لقيه غيره، ونخص بالذكر كتاب سيبويه (ت: في حدود 180 هـ) ، وكتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: في حدود 170 هـ) ، وكتاب الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت:224 هـ) ، وكتاب معاني القرآن، لابن قثيبة (ت:276 هـ) [3] ، ورغم لك كله، إلاّ أنّ الجانب الشفوي قد سيطر على حياة اللغة [4] ، وظل النشاط التأليفي وقفا على عدد محدود من العلماء، وقد لمسنا هذا من خلال جولتنا في كتاب طبقات الزبيدي (ت:379 هـ) ، وتاريخ ابن الفرضي (ت:403 هـ) ، فلم نجد في تراجمهم لعلماء ذلك العصر ذكرا لكتاب صنفوه، وربما كان اهتمام الأندلسيين في تلك الحقبة منصرفا إلى دراسة كتب المشارقة الوافدة، ومناقشة بعض الأمور التي احتوتها تلك المصنفات.

وإذا ما حاولنا الاقتراب أكثر وأكثر، لنقف على بواكير حركة التأليف في الأندلس، فسوف لا تُخطئ عيوننا أثر الكتاب المشرقي ـ الذي كان يُدرَّس في مجالس العِلم على أيدي بعض الوافدين من المشرق إلى الأندلس ـ على بواكير النشاط التأليفي.

وعندما دخل القالي (ت:365 هـ) الأندلس، سنة (330 هـ) [5] لم يكن في طريقه إليها كثير التفاؤل بحال اللغة فيها، فقد عرف من حال اللغة ما جعله يتخوّف من هذه البلاد النائية [6]

(1) انظر: ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس 1/ 74 على سبيل المثال.

(2) الحركة اللغوية في الأندلس، ص 62.

(3) الحركة اللغوية في الأندلس، ص 64.

(4) الحركة اللغوية في الأندلس، ص 65.

(5) طبقات الزبيدي، ص 188.

(6) المقري، نفح الطيب 3/ 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت