، غير أنّ أهل الأندلس لم يكونوا على الحال التي توقعها القالي منهم، واستقر القالي في قرطبة، يُدرِّس ويؤلف، وهو ينال التشجيع والإكرام من الحكام والعلماء والطلبة، فتحلَّق حوله أعلام قرطبة، وطلاب الثقافة فيها، وأصبح له مجلس في الزهراء، كل يوم خميس، يُملي فيه كتاب النوادر، ويُقرئ الغريب المصنف، لطلابه [1] سنة (343 هـ) ، ويُدرّس خلق الإنسان، لثابت بن أبي ثابت، سنة [2] (349 هـ) ، وهو في أثناء ذلك يؤلف، فيبدأ عمله في كتاب البارع سنة (339 هـ) ، ويظل يعمل فيه؛ حتى سنة (355 هـ) ، وتدركه المنية قبل أن يُنقحه [3] ، ستا وعشرين سنة قضاها في خدمة العِلم وأهله، فتخرج عليه فيها عدد كبير من طلاب العِلم في الأندلس.
وتقع مؤلفات القالي في ثلاثة أنواع: أخبار، ومؤلفات أدبية، ومؤلفات لغوية، غير أنه يجسُن بنا أنْ نقرر منذ البداية أنّ مثل هذا التصنيف ليس دقيقا، إذ لم يكن مفهوم الاختصاص قد اتضح في أذهان الناس، كما هو عليه الحال في أيامنا هذه.
وأكبر ما يُميز التأليف اللغوي؛ حتى أواخر القرن الثالث الهجري، عدم انفصاله عن الحديث، وهذا أثر من آثار كتاب الغريب المصنف، فأبرز المؤلفات اللغوية التي ظهرت يومئذ، إنما تتعلق باللغة، من حيث صلتها بغريب الحديث.
وهؤلاء المؤلفون فريقان: فريق ألَّف كتابا أو كتبا، ولكن المصادر أغفلت ذكرها، وفريق عرفنا كتبهم بأسمائها، ونحن إذا اقتصرنا على التأليف في حديثنا عن النشاط اللغوي، فإنّ ذلك يحجب عنا رؤية الجانب الأكبر من هذا النشاط المعتمد على حلقات التدريس، ولم يكن المرتحلون إلى المشرق، العائدون بالكتب المشرقية، إلاّ أساتذة لأولئك الطلبة، الذين اتجهوا وجهة الدراسات اللغوية والنحوية، إلاّ أنه لم ينل من هؤلاء الطلبة شهرة العالِم، في القرن التالي سوى ابن القوطية (ت:367 هـ) ، والزبيدي (ت:379 هـ) .
لقد أوجد القالي وتلاميذه حركة لغوية، كان لا بدّ أنْ تؤتي أكلها، على حسب قانون التطور الطبيعي، ولولا تلك الحركة، التي أثارها القالي، لما رأينا رسوخ الدقة اللغوية، والاتجاه إلى شرح أمات كتب اللغة، وقد ساعد على ذلك تعدد المراكز الثقافية، التي تكونت بفعل الانقسام السياسي، فقد أصبحت كل عاصمة دولة من دول الطوائف مركزا من مراكز العلم والأدب، لقد كنا نُشير من قبل إلى قرطبة، التي كانت تجتذب العلماء من مدن الأندلس، وغير الأندلس، أمَّا في هذه الأثناء، فلعل قرطبة لم تكن كبرى العواصم العلمية، بل أصبح يُنافسها كثير من المدن، وكان الأمير هو الراعي الأول للحركة الثقافية، وكان لون هذه الحركة يتشكل
(1) ابن خير، الفهرسة، ص 363.
(2) ابن خير، الفهرسة، ص 363.
(3) ابن خير، الفهرسة، ص 355.