فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 369

حسب ميول ذلك الأمير، ولا يعني ذلك غلبة الميل الخاص، وانعدام ضروب النشاط الأخرى.

وكانت عملية التنقل، والالتحاق بالأمراء بين العلماء، ومنهم علماء اللغة أمرا طبيعيا، فتنقُّل العلماء ظاهرة تفارق ما ألفناه في المدة السابقة من استقرار العالِم في بلده، وارتحال الطلبة للأخذ عنه، وغالبا ما يكون هذا البلد هو قرطبة، أمَّا في هذه الأثناء، فقد أصبح كثير من معلمي اللغة متنقلين، واستغنى الطلاب ـ إلى حد ما ـ عن التنقل في طلب العِلم، وأصبح بالإمكان أنْ ننسب لكل بلد العلماء الذين اشتُهِروا فيه.

وقد جوّز ملوك الطوائف الاشتغال بالفلسفة والمنطق، وكان هذا التجويز أثرا من آثار التسامح، الذي ظهر في بلاطاتهم، فكان ابن سِيْدَه (ت: 458 هـ) أكبر عقلية أندلسية، عملت في فن المعاجم، ممن اعتنوا بعلوم المنطق عناية طويلة [1] ، وكان ابن السيد البطليوسي (ت:521 هـ) ذا ثقافة فلسفية، إلى جانب ثقافته اللغوية والنحوية، وقد ألّف في هذا الباب كتابه: الحدائق في المطالب العالية الفلسفية، أمَّا ابن حزم (ت:456 هـ) فإنه وإنْ لم تصلنا تصانيفه الوافرة، التي أشار إليها صاعد [2] في علم النحو واللغة، فإنّ ما تناثر في كتبه من آراء نافذة في اللغة، يجعله ـ فيما نرى ـ من علمائها المتقدمين، وقد كان ابن حزم من أكثر الناس اهتماما بالمنطق في عصره.

إننا إزاء ظاهرة لافتة للنظر، هي هذا الترابط بين الثقافة والفلسفة من ناحية، والاتجاه اللغوي من ناحية ثانية، وليس من اليسير أنْ نتبين مدى التأثير المتبادل بين هذين الاتجاهين، ولكن من المسلم به أنّ الدراسة المنطقية والعلمية قد منحت الاتجاه اللغوي دقة وشمولا، وهيأت الجو للبحث النظري في اللغة.

وقد ظهر في ذلك العصر اتجاهان كبيران في التأليف: اتجاه لشرح الكتب، التي أصبحت عمدة لدارسي النحو واللغة، وهي ثلاثة أنواع: شروح لدواوين شعرية، كديوان المتنبي، والمعري، وشروح المجاميع، كديوان الحماسة، والأشعار الستة، وشروح للمقررات النحوية واللغوية، مثل جمل الزجاجي، ونوادر القالي، وأدب الكاتب، والغريب المصنف، وإصلاح المنطق.

(1) صاعد، طبقات الأمم، ص 100.

(2) صاعد، طبقات الأمم، ص 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت