أمَّا الاتجاه الثاني، فهو التأليف المعجمي، وهو من حيث الكمّ أقل بكثير من الاتجاه الأول، ويعتبر ابن سيده أكبر مَن يمثل الاتجاه الثاني، وإنْ شارك بعض مشاركة في الاتجاه الأول.
وأول ما يُلحظ بصدد الحركة اللغوية في الأندلس، في القرنين السادس والسابع الهجريين، هو توقف التأليف في المعاجم بنوعيها: معاجم الألفاظ، ومعاجم المعاني، على أننا نجد كتبا تعتمد على المعاجم الموضوعة سابقا، ولم تصل إلينا، ويمكن أنْ نُطلِق عليها: مؤلفات حول المعاجم [1] .
ومن الكتب التي اشتُهِرت في تلك الآونة ألف باء البلوي (ت:604 هـ) ، وهذا الكتاب يُلقي ضوءا على نهج التأليف في العصور المتأخرة، والذي يجلب الانتباه في كتاب البلوي قوله: (وقد كنت أظن أن التأليف يصعب فإذا هو أسهل شيء وأقرب، خذ كلام الناس من هنا وضعه هنا وقل مؤلفه أنا) [2] ، وقوله أيضا: (إني كنت في سن الحداثة، وزمن الطلب، أسمع الحكاية من الشيخ، فتعجبني، فأكتبها عنه وأحفظها، فلما صرت في حد من يقرأ الكتب ويطالعها، كنت أرى تلك الحكاية في الكتاب، فأقول: من هاهنا أخذها، ثم أجدها بعينها في كتاب آخر، وفي آخر، فقلت: إذا كان العلماء النظار، والمصنفون الكبار، يفعلون هذا، فأنا بهم أيضا أقتدي) [3] .
ونحن إذ نحمد للبلوي هذه الصراحة النادرة، نستبعد أنْ ينطبق كلامه هذا على حركة التأليف في اللغة والنحو.
كما شهدت تلك الآونة مؤلفات في المثلث اللغوي، وقد وصلت إلينا أسماء عدد منها، وشهدت تلك الآونة كذلك التأليف في الخَلْق، وفي النبات، وفي غريب القرآن، والحديث، وقد شارك علماء العربية في الأندلس العلماء في التأليف في لحن العامة، ومن ذلك العصر نجد بين أيدينا كتاب: المدخل إلى تقويم اللسان، وهو من تأليف ابن هشام اللخمي (ت:577 هـ) ، وهو من الكتب المهمة، التي كان لها تأثير واضح في حركة التأليف بعده.
وتشكل الشروح العدد الأكبر من المصنفات اللغوية في تلك الحقبة، وهذا شيء مألوف في العصور المتأخرة، كما عرف ذلك العصر شروح السيرة النبوية، وكتب الحديث،
(1) الطيار: الدراسات اللغوية في الأندلس، ص 53 ــ 54.
(2) البلوي، كتاب ألف باء 1/ 68.
(3) كتاب ألف باء 1/ 69.