وإذا جاز لنا أنْ نعتبر بما هو موجود، لا بما هو مفقود، فإنّ أبا عثمان المازني [1] (ت: ما بين 230 ـ 248 هـ) هو أول مَن أفرد بالصرف كتابا خاصا، أطلق عليه اسم (التصريف) ، ففصل الصرف عن النحو، وكتابه هذا هو الكتاب الأول، الذي وصل إلينا خاصا بالصرف، وهذا الكتاب في علم التصريف ككتاب سيبويه في علم النحو، في أنّ كلاّ منهما أصل، هذا في النحو، وذاك في التصريف، على الرغم من أنّ المازني قد حاول تلخيص موضوعات كتاب سيبويه الصرفية، ولكنه أضاف بعض المسائل القليلة، وبعض آراء مَن أخذ عنهم [2] .
لقد جمع المازني في كتابه هذا كل مباحث علم التصريف، إلاّ أنه لم يُعرِّف بهذا العلم، وتدور مباحث كتابه حول نوعين:
الأوَّل ...: أبنية الكلمات والأسماء والصفات والأفعال.
والثاني: ما في حروف هذه الكلمات من أصل وزيادة، وحركة وسكون، وقلب وإبدال، وصحة وإعلال، وإظهار وإدغام، وتضعيف، وغير ذلك من كل ما يتعلق باللفظ المفرد، ما عدا مباحث علم الاشتقاق.
وبهذا الجمع خرج المازني بعلم التصريف في كتابه المذكور عن حدود ما رسمه سيبويه في الكتاب.
وبعد المازني جاء بعض النحاة، الذين أوردوا بعض المسائل الصرفية ضمن مؤلفاتهم النحوية، فقد ألّف أبو القاسم الزجاجي (ت: 337 هـ) كتاب الجمل، وضمنه بعض مسائل التصريف، كالتصغير، والمقصور، والممدود، والإمالة، والإدغام، ثم يأتي ابن جني (ت:392 هـ) فيشرح كتاب التصريف للمازني بكتاب (المنصف) ، فيفسر مشكله، ويكشف غامضه، ويُسهب في شرحه بتمكين أصوله، وتهذيب نصوصه [3] ، فقد جمع في هذا الشرح مختلف الآراء والمسائل التي بحثها المازني، وقارن بينها، واختار منها ما رآه صحيحا أو قريبا إلى الصواب.
لقد أُعجِب ابن جني كشيخه أبي علي الفارسي (ت:377 هـ) بتصريف المازني، فعكفا على دراسته معا دراسة تمحيص وتحقيق، وتضافرا على شرحه زمنا طويلا، أفرغا فيه كل ما جعبتيهما من علم ولغة وأدب، ولم يتركا واردة ولا شاردة في التصريف إلاّ تحدثا عنها، فكتاب المنصف وإنْ كان لابن جني، هو في الحقيقة للإمامين معا: أبي علي الفارسي، وتلميذه أبي
(1) اختلف في تحديد سنة وفاته، انظر: تاريخ بغداد 7/ 93 ــ 94، ووفيات الأعيان 1/ 286، ومعجم الأدباء 7/ 108 ــ 109.
(2) خديجة الحديثي، أبنية الصرف في كتاب سيبويه.
(3) ابن جني، المنصف 1/ 1.